مناهج مدرسية مثيرة للجدل في الأردن

05 نوفمبر 2019
الصورة
مناهج الأول والرابع الأساسي هي المستهدفة (صلاح ملكاوي/ Getty)
+ الخط -

بعدما اعتمدت وزارة التربية الأردنية منهاجاً بريطانياً لصفّين أساسيين، اضطرت لاحقاً إلى التعديل بسبب انتقادات

رضخت وزارة التربية والتعليم الأردنية للاحتجاجات الواسعة والانتقادات التي طاولت كتابي الرياضيات والعلوم الجديدين للصفين الأول والرابع الأساسي خلال الفترة الماضية، وقررت إجراء تعديلات على المنهاج. ومنذ انتظام الدراسة بعد انتهاء إضراب المعلمين في 6 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، انطلقت حملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بإلغاء المنهاج الجديد المعتمد على "منهاج كولينز" البريطاني، الذي اعتبره معارضون مخالفاً للعادات والتقاليد الأردنية، وذا مستوى تعليمي أعلى من الصفوف المخصص لها.

في هذا الإطار، أصدر الأمين العام لوزارة التربية والتعليم بالوكالة، نواف العجارمة، الإثنين في 28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تعميماً جاء فيه: "حرصاً من وزارة التربية والتعليم على تحديث مناهجها باستمرار، وعملاً بالتغذية الراجعة حول كتابي العلوم والرياضيات/ الجزء الأول للصفين الأول والرابع، وتنسيب اللجان المتخصصة المكلفة مراجعة تلك الكتب، أؤكد ضرورة تعميم التعديلات والإرشادات الواردة، لضمان دقة المادة العلمية ومناسبتها للفئة العمرية، وبحسب سير عملية التدريس في الغرف الصفية". أضاف: "ستدرج التعديلات في الكتب في مرحلة إعادة الطباعة" مشيراً إلى أنّ من الضروري "متابعة المشرفين التربويين ومديري المدارس للعمل بمضمونه". وتضمنت أبرز التعديلات، حذف بعض العبارات والفقرات من دروس الكتابين، وتعديل بعضها الآخر، وتغيير عناوين بعض الدروس.




بدوره، قال الناطق باسم نقابة المعلمين نور الدين نديم لـ"العربي الجديد" إنّ على وزارة التربية أن تتحمل مسؤوليتها وتنظم المناهج وفقاً لكفاءات الوزارة وخبراتها؛ بدلاً من "الشركات الأجنبية التي أوصلتنا إلى هذه الأزمة". واعتبر نديم تعميم وزارة التربية والتعليم بتطبيق توصيات اللجنة الفنية حول منهاجي العلوم والرياضيات للصفين الأول والرابع، ما هو إلا علاج موضعي اضطراري فرضه حكم الأمر الواقع، مشدداً على أنّ هذه المناهج والتعامل معها والملاحظات عليها جعلت العبء على المعلمين كبيراً.

أضاف أنّ النقابة كانت أول من حذر وتحدث في قضية المناهج، وما يكتنفها من مخاطر، مشيراً إلى عقد النقابة لقاءات مع الأطراف المعنية من الوزارة، ولجنة تطوير المناهج، وكان هناك تفهم لبعض الملاحظات المطروحة. وقال إنّ المناهج تتضمن أخطاء جسيمة علمية وإخراجية، مشيراً إلى أنّ ما حدث مشكلة الوزارة والحكومة ولجنة تطوير المناهج التي اعتمدت العطاء (العرض المستدرج) واستعجلت تنفيذه. ولفت إلى أنّ سياسة الأمر الواقع مرفوضة، مطالباً بأن تتواءم المناهج مع ثقافة الشعب الأردني وعاداته وتقاليده، وتحفظ الهوية الوطنية. أضاف أنّ ردة فعل الأهالي والضغط الشعبي من خلال رفض الكتب وإعادتها إلى الوزارة خلقت أزمة، مشيراً إلى أنّ الكتب لا تصلح للتدريس، كما يغيب تدريب المعلمين عليها، ومن الأفضل تقديم المناهج الجديدة لعينة عشوائية من المدارس، وبعد ذلك الحكم عليها للتعميم أوالتعديل أو الرفض.

بدوره، قال رئيس اللجنة الاستشارية لتطوير المناهج الدكتور ذوقان عبيدات لـ"العربي الجديد" إنّ هناك حاجة لتطوير المناهج للعديد من الأسباب، منها أنّ المناهج الحالية قديمة وتعود إلى عام 2005، ومنذ ذلك الوقت حدث كثير من التطورات الاجتماعية والاقتصادية، وأصبح هناك تطرف وإرهاب، ولم تتغير المناهج. أضاف أنّ المناهج القديمة أوصلتنا إلى ذيل الترتيب العالمي في اختبارات العلوم والرياضيات، وأصبح مركزنا الخامس عربياً، بعدما كان الأردن متصدراً، كما صنّف البنك الدولي الأردن في المرتبة 52 في فقر التعلم. تابع أنّ بعض المناهج ساهمت بهروب بعض التلاميذ إلى البرامج الأجنبية، وحتى المدارس الخارجية كالمدارس التركية والليبية وغيرها، مضيفاً أنّ بعض المناهج حملت فكراً متطرفاً.

وحول المناهج الجديدة للصفين الأول والرابع، قال: "أنا أول من انتقدها قبل أن تطبع، وبعد ذلك استمررت في النقد، وركزت فيه على أخطاء الترجمة، والابتعاد عن البيئة الأردنية، وهذه الأخطاء من السهل إصلاحها، لكنّ الانتقادات الموجهة إلى المناهج الآن لا علاقة لها بالتعليم بل هي عقائدية، فهناك من يقول إنّها منافية للدين والأخلاق، ومن أمثلة ذلك الانتقادات التي وجهت إلى درس تكاثر النباتات، العلمي". وقال إنّ هناك من يحاول إعادة إعداد المناهج لوزارة التربية بعدما انتقلت هذه المهمة إلى المجلس الوطني للمناهج، بسبب نفوذه القوي. واعتبر أنّ هناك شيئاً من المبالغة في انتقادات الأهالي لـ"منهاج كولينز" مثل تلك التي تتهم المنهاج بالمس بالدين.

من جانبه، أكد الاستشاري التربوي الدكتور عايش النوايسة لـ"العربي الجديد" أهمية التغيير والتطوير المستمر في جوانب العملية التعليمية كافة، ومن ضمنها المنهاج وأدواته وأهمها الكتاب المدرسي. وأوضح أنّ المنهاج للصفين الأول والرابع الأساسي "بني وفق النظرية البنائية المعرفية، وفي جزء آخر البنائية الاجتماعية، وخالف أهم مبادئ البنائية المعرفية وهو مبدأ بناء المتعلم على ما لديه من معلومات لتفسير ما يستقبله، فكيف لتلميذ في الصف الأول، وكذلك في الصف الرابع أن يبني معرفة في الرياضيات والعلوم لم يتعرض لها سابقاً؟". أضاف: "خالفت هذه الكتب المدرسية أيضاً عملية الاستدلال التي تعّد شرطاً لبناء المفاهيم لدى الطفل في البنائية المعرفية وفصلت التعلم عن التطور النمائي للطفل، وكلّفته بما لا تتحمل قدراته ولا ينسجم مع ذاته. وفي جانب آخر تعّد هذه الكتب المدرسية، كونها مترجمة من بيئة أخرى ولم يجرِ تكييفها مع البيئة الأردنية، مناقضة لمبدأ مهم من مبادئ النظرية البنائية المعرفية التى ترى أنّ للمجتمع الذي يعيش فيه الطفل أثراً كبيراً في بناء المعرفة وتطوير قدراته نحو مهارات التفكير العليا". تابع: "أقرت وزارة التربية والتعليم الإطار العام للمنهاج نهاية مارس/ آذار الماضي، فهناك الآن موافقة عليه للبدء بعملية تأليف الكتاب المدرسي". وأوضح أنّ المركز الوطني لتطوير المناهج يقول إنّه طرح عطاء تقدمت له سبع شركات أجرى تقييماً لها واستبعد ثلاثاً منها وجرت دراسة العطاءات وأحيل العطاء على دار النشر العالمي "كولينز". أضاف: "السؤال هو متى حدث كلّ ذلك؟ فخلال ثلاثة أشهر طرح العطاء وترجمت الكتب وأقرها مجلس المركز الوطني للمناهج نهاية يونيو/ حزيران الماضي، وهو ما يشكل مخالفة جسيمة لنظام العطاءات، ومخالفة إجرائية للعمليات المنطقية لبناء الكتاب المدرسي، بالإضافة إلى الأخطاء العلمية الكثيرة جداً والملاحظات الأخرى المتعلقة بطريقة التعليم وغيرها".




وأظهر استطلاع للرأي أجراه "مركز الدراسات الاستراتيجية" في "الجامعة الأردنية" أخيراً أنّ 37 في المائة من الأردنيين يعتقدون أنّ المناهج التدريسية التي تدرّس في الوقت الحالي تتناسب مع قدرات التلاميذ الفكرية والذهنية، فيما قال 12 في المائة إنّها تتناسب مع قدرتهم بدرجة كبيرة، و31 في المائة إنّها تتناسب مع قدراتهم بدرجة متوسطة، و8 في المائة إنّها تتناسب مع قدراتهم بدرجة قليلة، و43 في المائة إنّها لا تتناسب مع قدراتهم وإنّها أعلى من مستواهم. ومع السؤال عن تناسب المناهج الحالية مع ثقافة وعادات وتقاليد المجتمع الأردني، أفاد 47 في المائة من المستطلعين بأنّها تتناسب مع الثقافة والعادات والتقاليد الأردنية، فيما أفاد 29 في المائة بأنّها لا تتناسب على الإطلاق.