مناظرة المرزوقي والسبسي: مناورة أم مقامرة؟

مناظرة المرزوقي والسبسي: مناورة أم مقامرة؟

28 نوفمبر 2014
الصورة
المرزوقي سيواصل الدعوة للمناظرة لإحراج السبسي (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

ما أن تأكد الرئيس التونسي والمرشح للرئاسة المنصف المرزوقي من أنه سيمر إلى الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، حتى بادر إلى دعوة منافسه زعيم حزب "نداء تونس" الباجي قائد السبسي إلى مناظرة تلفزيونية أمام الشعب التونسي.

بدت المسألة في الوهلة الأولى وكأنها مجرد فكرة عابرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى عنصر أساسي من عناصر حملته الانتخابية.

الكثير من الإعلاميين والسياسيين لم يستسيغوا اقتراح المرزوقي، ورأوا فيه نوعاً من التسرع والمراوغة، لكن بعد ذلك أصبح الموضوع محل نقاش على الساحة الوطنية، خصوصاً في ظل ردود فعل بعض مسؤولي حزب "نداء تونس". فما هي دلالات ذلك والاحتمالات؟

في الصراع الانتخابي، يدرس كل فريق نقاط القوة والضعف عند خصمه، ويُعتبر أسلوب المناظرات في الدول الديمقراطية إحدى الأدوات التي يمكن أن تؤثر لتضخيم جوانب الضعف ومحاصرة المنافس، والعمل على إحراجه أمام الرأي العام عسى أن يؤثر ذلك على شعبيته، ويهز من صورته لدى أنصاره، وخصوصاً لدى الشريحة الضخمة من المترددين الذين لم يحسموا أمرهم حتى الآن.

يعتقد المرزوقي والفريق الذي معه في حملته، أن السبسي لن يتحمل كثيراً حواراً مفتوحاً وصريحاً ونقدياً يدور حول شخصه وماضيه ومواقفه. هؤلاء يدركون أن الرجل ذكي وذو خبرة طويلة في المجال السياسي وله سحر الكلام وقدرة على توجيه الرأي العام، لكنهم يعتقدون بأنه انفعالي، ويمكن أن يتورّط عند السجال في استعمال عبارات متشنجة أو خارج السياق، أو أن يجد نفسه مدفوعاً من غير شعور منه نحو اتخاذ مواقف تحشره في زاوية ضيقة يمكن أن يستفيد منها المرزوقي لإظهار تفوقه في المحاججة والإقناع.

كما يظنون بأن عامل السن سيكون في صالحهم، وخصوصاً أن النية تتجه نحو استعراض التاريخ الطويل للرجل في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وفي المرحلة الأولى من حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

لكن السبسي ومستشاريه أدركوا الفخ الذي يريد أن يوقعهم فيه منافسهم، لهذا تحفظوا منذ البداية على فكرة المناظرة، وعمدوا إلى التقليل من أهميتها، وحاولوا أن يقوموا بهجوم معاكس بالقول إن "المرزوقي غير مؤهل للحوار نظراً لتشنجه وخطابه المستفز".

ووظفوا في هذا السياق بعض العبارات التي استخدمها المرزوقي في تصريحاته السابقة، ومن بينها أنه وصف السبسي وأنصاره بـ"الطاغوت" على الرغم من علمه بأن هذه العبارة مستعملة حالياً بكثافة من قِبل تيار السلفية الجهادية، والتي بموجبها يتم استهداف الجنود والأمنيين التونسيين، وهو ما جعله يتراجع عن استعمالها بسرعة. كذلك سبق له أن رد على من دعاه إلى محاورة كوادر حزب "نداء تونس" بالقول "أعوذ بالله".

ومن غير المعروف حتى الآن إن كانت فكرة المناظرة سترى طريقها نحو التنفيذ أم لا، لكن المؤكد أن المرزوقي سيواصل التأكيد عليها ليحرج منافسه، ويضعه في موقع المتهرب من المواجهة والخائف من تداعياتها عليه، خصوصاً أن الفارق بينهما وفق نتائج الاقتراع محدود، إذ لا يتجاوز لجهة عدد الأصوات حوالي 180 ألف ناخب يمكن أن يكسبهم المرزوقي لصالحه في لحظة ما.

ولأن طلب المناظرة أصبح يغري أيضاً الوسط الإعلامي، فإن الفريق الساهر على الحملة الانتخابية للسبسي لم يعد قادراً على تهميش مثل هذا الطلب، وأخذ يضع بعض الشروط للقبول بذلك. ومن بين هذه الشروط مطالبة المرزوقي بالاعتذار علناً أمام الرأي العام على الكلمات النابية التي استعملها في حق السبسي وحزب "نداء تونس". كما جرى حديث حول ضرورة وضع ترتيبات عملية لهذه المناظرة.

المؤكد أن القرار النهائي يبقى بيد السبسي، صاحب الصوت الأعلى داخل "نداء تونس" والذي يخشى الجميع الاعتراض على إرادته. وهو استهجن أسلوب المناظرة، ووصفها بـ"صراع الأكباش"، وخصوصاً أنه يتعامل بتعالٍ مع المرزوقي، ولا يرى فيه نداً له. فهما شخصيتان مختلفتان في التكوين والمزاج والمراهنات بشكل يصل إلى حد التناقض الجذري.

وبقطع النظر عن مصير المناظرة هل ستجرى أم يتم تجاوزها، فالمؤكد أن الحملة الانتخابية بين الرجلين مرشّحة لتشهد تصعيداً لفظياً خطيراً، ويُخشى أن ينعكس ذلك على علاقة أنصار الطرفين في البلاد، خصوصاً في الجهات الساخنة التي انقسمت طبقياً واجتماعياً بوضوح طيلة المرحلة السابقة.

فالتونسيون كلما اقتربوا من لحظة الانتهاء من المسار الانتقالي في مستوى دعم المؤسسات المستقرة، يشعرون بأن التهديدات لا تزال قائمة في الطريق. ومع ذلك فالأجواء في تونس استثنائية بكل ما تعني الكلمة، إنها إفرازات الديمقراطية الناشئة.

المساهمون