مناضل سوري يخطب باللغة المكسيكية

مناضل سوري يخطب باللغة المكسيكية

16 يناير 2018
+ الخط -
السيدتان سامية "أم ثائر" ورامية "أم نضال" تنحدران من طبقة اجتماعية دنيا، ولكنهما ارتقتا في السلَّم الاجتماعي، وصار لهما قول وشور، وقدر ومقدار، و"راس وبرناس"، بفضل ذكاء زوجيهما، أبي ثائر وأبي نضال، وكدهما، وتعبهما، ونضالهما الباسل ضد الاستعمار، والصهيونية، والإمبريالية، والعولمة، والرجعية، والطابور الخامس، وكافة أنواع المتآمرين والعملاء..

أما عن تحصيلهما العلمي فهو (لا شيء على الإطلاق)، لأن والد كل منهما، حينما كانتا صغيرتين، كان يقول لوالدتها عندما يلمح في يدها كتاباً، أو دفتراً، أو سمعها تجيء بسيرة العلم على لسانها:
- اسمعي يا حرمة، هما كلمتان ورد جوابهما: قولي لابنتك أن تنضب وتقعد أحسن ما أضربها ضرباً فأخلي الدم ينشبُ من أنفها، وأفهميها، بالتي هي أحسن، أننا ناس لا مصلحة لنا بالعلم، لأن تعليم المرأة يفتح عينها على أشياء هي في أشد الغنى عنها، وإذا تعلمت الكتابة فإن أول شيء تفعله هو أن تكتب مكاتيب الغرام لشبان الحارة. والله عال، ناقصني أن تكتب ابنتي أنا المكاتيب للشبان، وبعد المكتوب موعد، وبعد الموعد طلعة من البيت بحجة أنها رايحة تدرس مع رفيقتها، وبعد أن تطلع.. النتيجة معروفة.. يا حبيبي، والله نقشت معنا!

والوالدة، الأم التي أصر حافظ ابراهيم على أنها مدرسة تختص بتخريج الشعوب العريقة! تؤكد على صحة كلام الوالد، ورجاحة عقله، وتضيف قائلة، بلهجتها الحنونة، إن قبر المرأة بيت زوجها، وإذا صارت دكتورة فهمانة، أو بقيت طلطميسة و"ربي كما خلقتني"، آخرتها بودها تحبل وتلد وتفك الولد وتشطِّفه وتحفِّضه.. وعلى كل حال، يا بنتي، إذا تعلمت فك الحرف، ما في مانع، وإذا ما تعلمتيه أحسن لك ولنا، وأأمن.

المهم في الموضوع أن الموارد المالية الجيدة التي كان يدرُّها النضال ضد الاستعمار، والصهيونية، والإمبريالية، والعولمة، والرجعية، والطابور الخامس، وأذناب الاستعمار، والمتآمرين والعملاء.. على زوجيهما، أبي ثائر وأبي نضال، جعلت سامية ورامية تعيشان في بحبوحة اقتصادية، تتمثل بوجود كل وسائل الترفيه عن النفس في البيت، بدءاً بالغسالات الأوتوماتيكية، ومكانس السجاد، والطناجر التي لا تلصق الطبيخ، ودقاقات الهبرة، وفَرَّامات البصل والخيار، وخلاطات الفواكه، وانتهاءً بالساتلايت ذي المحرك الدوار الذي يلتقط أكثر من ألف قناة تلفزيونية، وربما أكثر.

ومن خلال تقليب واستعراض الألف قناة، على مدى شهور طويلة، توصلت السيدتان سامية ورامية، زوجتا المناضلين أبي ثائر وأبي نضال، إلى أن أفضل المسلسلات التي تعرض على الشاشات جميعاً إنما هي المسلسلات المكسيكية المدبلجة، الناطقة باللغة العربية الفصحى (وهما لا تعرفان أنها مدبلجة، بل اعتقدتا أن أهل المكسيك أساساً يتحدثون بهذه اللغة!!..) وصارت كل منهما تعزم رفيقتها لمشاهدة إحدى حلقات أحد المسلسلات في بيتها، فترد عليها الأخرى بعزيمة مماثلة، شريطة أن تقع تكاليف لف الشعر والميش والبلياج والمانيكير والباديكير على حساب الداعية، وإذا حالت الظروف دون لقائهما لمشاهدة مسلسل مكسيكي مدبلج، يُبَثُّ في وقت متأخر من الليل، سرعان ما تتصل رامية بسامية، أو العكس، صباحاً، وتذاكران، عبر الهاتف، ما جاء في هاتيك الحلقة من أحداث لها علاقة بالحب والإغراء والاغتصاب والخيانة، بين (بيبيتا وجيوفاني، وبيثيا وفيدريكو باولو، ولويس أنريكه ولوليتا، وكاساندرا.. وعشاقها المدنفين).

وفي ذات يوم، كان أبو ثائر، زوج سامية، مشاركاً في مهرجان خطابي بمناسبة الحركة التصحيحية، فذهبت راميا وسامية لحضور ذلك المهرجان. حينما صعد أبو ثائر إلى المنصة، وتبسم، وتنحنح، وشرع يخطب، باللغة العربية الفصيحة، كادت عينا رامية أن تخرجا من وقبيهما، والتفتت رامية إلى سامية وقالت لها:
- ريتني إقبرك بإيدي يا سامية، وليك، من إيمتى جوزك بيحكي (مكسيكي) وأنا ما عندي خبر؟!

فردت عليها سامية دافعة التهمة عن نفسها:
- انشالله بصير أرفع من عود الكبريت يا رامية إذا كنت أعرف أن زوجي بيعرف يحكي (مكسيكي)، برحمة البابا والماما، وغلاوة أبو ثائر والأولاد.. هاي أول مرة بشوفه وهوي عم يحكي مكسيكي!