مناحة الشعر

03 سبتمبر 2016
الصورة
يوسف نبيل/ مصر
+ الخط -
ليس ثمة هاجس أكثر حضوراً في الحياة مثل الموت، إنه باختصار الإجابة عن معنى الحياة، وحين وعى الإنسان بأن الموت نقيض الحياة تماما، تواشج هذا الوعي مع الشعر الذي أعطى المسألة حتى قبل الدين أبعادا شعرية وفلسفية وما ورائية.

واذا سلّمنا بأن "ملحمة جلجامش"، المثال المبكر والأكثر نضجاً للأدب في طور الإنتقال من "التوحش" إلى "التحضر"، وأن جلجامش نفسه من بكى وأبكى، فإننا نقرأ مثلاً في فصل موت إنكيدو وحزن صديقه عليه وسعيه وراء الخلود ما يعزز فكرتنا مبدئياً:

إذا ما متّ أفلا يكون مصيري مثل أنكيدو
ملكَ الحزن والأسى روحي
وها أنا ذا أهيم في القفار والبراري
خائفا من الموت

أو كالشعر المنسوب لآدم في رثاء هابيل:

تغيرت البلاد ومن عليها
فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم
وقل بشاشة الوجه الصبيح

أو كما نص فرعوني ينسب لشاعر مجهول بعنوان "لمن سوف أحكي اليوم":

تقول إنك تريدني معك
في الماوراء؟.
إنْسَ الماوراء!.
عندما يهجعُ جسدُك
وهكذا تصلُ إلى الماوراء
في ذلك السكون
سوف أُضيءُ عليكَ
ومُتحدَين
سوف نكونُ السُّكنى.
لأن الفوق
يُمجدهُ
التحتُ
كما خُط في الكتاب المُقدَّس

إن هذه الأمثلة وغيرها مما وصل إلينا من نصوص موغلة في القدم تمثل تلك المرحلة المبكرة من تشكّل الشعر نفسه وتحويله الموت إلى فجيعة، فيما كان الموت عند الإنسان "البدائي" مجرد مرحلة انتقال من مكان معلوم إلى مكان مجهول، بل نجد عند سكان إستراليا الأصليين أن الرقص هو الذي يليق بالموت لا الشعر أو كأن الموت يشبه حلم الطاوي جوانج زي (لاو تسي): "رأيت أنا جوانج زي مرة في منامي أني فراشة ترفرف بجناحيها في هذا المكان وذاك، أني فراشة حقاً من جميع الوجوه ولم أكن أدرك شيئاً أكثر من تتبعي لخيالاتي التي تشعرني بأني فراشة، أما ذاتيتي الإنسانية فلم أكن أدركها قط ثم استيقظت على حين غفلة وهاأنذا منطرح على الأرض رجلاً كما كنت، ولست أعرف الآن هل كنت في ذلك الوقت رجلاً يحلم بأنه فراشة، أو أنني الآن فراشة تحلم بأنها رجل".

وفي السياق العربي فإن المراثي التي تعدد مناقب الموتى ما هي إلا شكلاً من أشكال تحويل الموت إلى فن وغرض شعري كحال الخنساء في رثاء أخيها صخراً هذا الذي"حمّال ألويةٍ، هبّاط أوديةٍ،شهّادُ أنديةٍ، للجيش جرّار" المثال الأبرز لتفجع الشاعرة الندّابة:

ألا يا صخرُ إن أبكيتَ عيني
لقد أضحكتني دهراً طويلا
بكيتُكَ في نساءٍ مُعْولاتٍ
و كنتُ احقَّ من أبدى العويلا
دَفَعتُ بكَ الجليلَ وأنت حيٌّ
فمَن ذا يدفعُ الخَطبَ الجليلا
إذا قبُحَ البُكاءُ على قتيلٍ
رأيتُ بُكاءكَ الحَسَنَ الجميلا

ومن حضور "ذو القروح" هذا الذي نفسه تَساقط أنفساً يحضر رثاء النفس في نماذج معروفة كمراثي عبديغوث الجاهلي ومالك بن الريب وإبن زريق البغدادي، مثالاً لا حصراً، ويحضر في المقابل شاعر عربيد هو أبو محجن الثقفي الذي لم يوص بشيء عند موته إلا بما يليق بحياة أخرى تروّي عروقها في شكل يتعالى على الموت برثاء الموت وغيرها من الأمثلة على تحويل الموت عبر روح الشعر إلى فجيعة بامتياز:

إذا متُّ فَادْفني إلى جنْبِ كرْمَةٍ
تُرَوِّي عظامي بعد موتي عُروقُها
ولا تدْفننِّي بالفلَاةِ فإنني
أَخافُ إذا ما متُّ أن لا أذوقُها.

المساهمون