ممدوح حمادة: باسم ياخور ليس ناقداً وزهير رمضان كذّاب

06 أكتوبر 2019
الصورة
ليست مهمة الكاتب رسم حركة الممثل أثناء التصوير (فيسبوك)
يُعتبر الكاتب والسيناريست السوري، ممدوح حمادة، من أبرز كتاب جيله في مجال السيناريو. ورغم تأثير صاحب "ضيعة ضايعة" على الدراما السوريّة والعربيّة عمومًا، إلا أنّ أعماله غابت عن الشاشة العام الماضي. التقت "العربي الجديد" مع ممدوح حمادة، وأجرت معه الحوار التالي. 

سنبدأ من "الحيّ العربي"، وهو اسم المسلسل الجديد الذي سيعرض ضمن الباقة الرمضانية للعام المقبل. وقد ورد في المؤتمر الصحافي للمسلسل، أنك المسؤول عن المراجعة الدرامية فيه. ما الذي سيحمله المسلسل كإضافة على الدراما العربية؟
 في الحقيقة، المراجعة الدرامية ليست مهمتي في العمل. أما التسمية الصحيحة لهذه المهمة التي كلفت بها، فهي إشراف درامي، وهي عملية تقنية بحتة، تجري أثناء فترة التصوير، وأقوم بها بتكليفٍ من قبل الشركة المنتجة والمنتجة المنفذة. والعمل هو من تأليف الزميل الكاتب، مازن طه. ويقدم العمل صورةً لمجتمع عادي مؤلّفٍ من مجموعة من الأسر العربية التي تقيم في قطر. ويتطرق العمل إلى نواح تخص المشاكل الاجتماعية بشكل أساسي، ويتوقف عند الخصال الإنسانية العامة، كالطمع والغيرة والحب وصراع الآباء وما شابه ذلك.


قبل فترة قصيرة، نشرت منشوراً غاضباً، رداً على نسب الفنان محمد حداقي صناعة شخصية "أبو شملة" التي ظهر بها في مسلسل "ضيعة ضايعة" لنفسه. وطالبت الشركة المنتجة للمسلسل بشطب اسمك كمؤلف. وتكرَّر الأمر للمرَّة الثانية بعد ذات الادَّعاء من زهير رمضان مع شخصية "المختار". وأعلنت أنك وحتى تحت تهديد السلاح لن تعود للكتابة للدراما السورية، ثم عدت ومسحت المنشور ولمحت لسوء تفاهم بينك وبين حداقي، لكن، هل لا يزال قرار الطلاق مع الكتابة للدراما السورية قائماً؟
في لقاء تلفزيوني وقع في طريقي صدفة، شاهدت الفنان، محمد حداقي، يقول حرفياً: "بالجزء الثاني من (ضيعة ضايعة) كان لدي مشاركة بمساعدة نضال سيجري، وشخصية (أبو شملة) التي قدمتها لم تكن مكتوبة مثل ما قدمتها أنا بمساعدة نضال. نحن، أنا ونضال، اخترعنا هذا الكاركتر". الحقيقة بسبب الانطباع الإيجابي عن الفنان محمد حداقي وإعجابي بموهبته وحرصي على أن يكون دائماً شريكاً في أي عمل أكتبه، صدمت من هذا التصريح، لأنه لا يمكن أن يكون أحداً غير الكاتب قد اخترع الشخصيَّة الدراميَّة، مهما كان هذا الكاتب ضعيف المستوى. أما إذا كان الممثل قد اخترع شخصية، فهذا يعني أنه ألفها وصاغ لها علاقاتها مع جميع الشخصيات الأخرى، وهذا عملياً أمر مستحيل. فـ"الكاركتر" هو مجموعة علاقات وباقة أفعال مرتبطة مع الشخصيات الأخرى، وبشخصية "أبو شملة" ترتبط مصائر شخصيات كثيرة، وإذا كان الممثل قد اخترع الشخصية، فهذا يعني أنه اخترع العلاقات مع الشخصيات الأخرى، وجميع الأحداث المرتبطة بها. في الحقيقة لا أستطيع إطلاق تسميات جميلة على هكذا فرضيات، وأكتفي بالقول إنه ينقصها الذكاء. بالنسبة للفنان محمد حداقي كما قلت، أحتفظ له بصورة إيجابية، وأقدر موهبته المتميزة. وكنت أعتقد أنه غير محتاج لمثل هذا السلوك، فعمله على الشخصيَّة واضح، ولكن ذلك يدخل ضمن ما يسمى في لغة الدراما "عمل الممثل على الشخصية"، مثل الحركة وطريقة الحديث والحركة وحتى اللباس الملائم وتفاصيل أخرى، وهذا يمكن أن نسميه إكساء للشخصية، وليس اختراعاً لها، وهذا واجب على الممثل، وبدون هذه الإجراءات من قبله لا يمكن اعتباره ممثلاً. طبعاً بعد التعليقات الكثيرة التي استغربت الأمر، حصل تواصل على فيسبوك بمساعدة أصدقاء مقربين من الفنان محمد حداقي. فنفى الفنان جملة وتفصيلاً ما نسب إليه من كلام، وتواصل معي، فقمت بإرسال مقطع الفيديو له، فاعتذر وأوضح مبررات ما حصل، بأنه أراد تكريم الفنان الراحل الصديق نضال سيجري. وطبعاً هذا غير مبرر. ردي الغاضب على تلك المقابلة لم يكن بسبب المقابلة فقط، وإنما لأسباب سبقتها، فتارة أسمع تصريحاً من فنان ما من المشاركين في العمل، بأنهم جعلوني أكتب، رغم أن فكرة الكتابة الدراميَّة انبثقت من لوحة في "بقعة ضوء" كنت مؤلفها، وهي التي أدخلتني عملياً إلى عالم الدراما. إذْ اطلع عليها الفنان خالد تاجا الذي جمعتني به صداقة، وهو من قدمني إلى الدراما بسبب هذه القصص تحديداً التي انبثقت عنها "ضيعة ضايعة" فيما بعد. وقد قدمت منها لوحات في أعمال أخرى قبل "ضيعة ضايعة"، ويمكن على سبيل المثال الاطلاع عبر يوتيوب على لوحة اسمها "بقرة" لنشاهد أسعد وجودي، ولكن بأسماء أردنية. أما عن قرار عدم العمل في هذه الدراما، وطبعاً هو تصريح غاضب ولا أُؤخذ به، خاصة أنني مرتبط بعدة أعمال، وقد تقاضيت جزءاً من أجري عليها، ولا أستطيع تركها، وإلا سأخضع للمقاضاة. الكلام نفسه ينطبق على التصريحات الأخرى؛ سأنجز هذه الأعمال المتفق عليها، ولكنني سأتابع البحث عن نوافذ أخرى أملك القرار فيها، مثل "يوتيوب" ومحطات أخرى تمنحني حرية الخيار أكثر.


في هذا السياق، ما هو ردك على زهير رمضان الذي ادَّعى صناعة كاركتر "المختار عبد السلام بيسة"، بمفرداته وزيّه، إذْ أشار إلى أنه زي جده، وأن المفردات والألقاب التي استخدمتها الشخصية وبعض شخصيات المسلسل هي مفردات البيئة التي تجهلها أنت؟
بغض النظر عن موضوع خلافي مع زهير رمضان الذي أدى شخصية المختار أداء تألق فيه. وكل ما ذكره مما تطرقتَ إليه يدخل ضمن عمل الممثل على الشخصية، اللباس والحركة والإفيهات وغير ذلك، لن نختلف حول هذا، وإذا تمَّ استقاء بعض التفاصيل من شخصية جده لا مشكلة في الأمر، أو حتى استقاء ألقاب ومفردات. الشخصية لا تتشكل من هذه الأمور، وكما ذكرت سابقًا فإن الشخصية هي أفعالها، وليست مهمة الكاتب أن يحدد طريقة حركة الممثل أثناء التصوير على سبيل المثال، إلا إذا كانت هذه الحركة لها فعل درامي مثل رشق الحجارة في كل اتجاه كإجراء وقائي ضد "سلنكو"، هذا تفصيل مذكور في النص، لأن له فعلا وتأثيرا دراميا وأحداثا مرتبطة به. أما الشروال فلا يعتبر صناعة شخصية، وأنا كلما ذكر الفنان رمضان ذلك أتساءل: ما الذي درسه في المعهد العالي للفنون المسرحية، إذا كان لا يعرف الفرق بين صناعة الشخصية وعمل الممثل عليها يا ترى؟ ما هو الفرق بين شروال المرحوم جد الفنان رمضان وشراويل بقية أبناء الشعب السوري؟ أو بين طربوش جده وطرابيش خلق الله الآخرين؟ بالنسبة لمفردات البيئة، نحن اخترنا المكان كمرجعية للممثلين أنفسهم، لكي يستفيدوا من السكان المحليين، وهم في قرية "أم الطنافس" يتحدثون هذه اللهجة. نحن اخترنا اللهجة قبل أن نختار الفنان زهير رمضان للدور، وسبق أن تم أداء لوحة في بقعة ضوء هي لوحة "جيران" بهذه اللهجة، ولم يكن بعد قد تم التفكير بـ"ضيعة ضايعة" أو شخصية المختار أو الفنان زهير رمضان. إذاً ليس هو من اختار أدوات البيئة، هو أدى ما كُلف بأدائه، وأضاف إلى دوره بالتأكيد. ولكن بعد أن كانت الشخصية جاهزة. جهل الفنان رمضان بماهية أدوات عمله، تثبته الطريقة المتبجحة التي يتكلم بها. مع العلم أن لا ذمّه للآخرين يقلل من قيمتهم، ولا مديحه لهم يرفع من شأنهم. خلافي مع الفنان زهير رمضان لا يتعلق بقضايا فنية، خلافي معه يتعلق بأمور أخرى أخلاقية، وهي كذبه الصريح في أكثر من مرة. إذْ صرح على، سبيل المثال، أن الحلقة كان يستلمها مؤلّفة من ثلاث إلى خمس صفحات، وكلام مثل هذا لا يمكن وصفه إلا بأنه كذب مقصود، ومن صدر عنه لا يمكن وصفه إلا بالكذاب، لأنه لا يمكن أن يكون زلة لسان. واختلفت معه على استخدامه للشخصية لأغراض تتعلق بموقفه السياسي. ولو أنَّه استخدم الشخصية فنياً، وحتى لو حملها بعداً سياسياً منسجماً مع دورها في العمل، لما كان لدي أي اعتراض.

ضمن هذه السجالات، يجب أن نطرح سؤالاً، إلى أي حد يلتزم الممثلون بالنصوص التي تقدمها لهم، أو حتى التقيد بأداء بنية الشخصية وانفعالاتها كما تحددها وترسمها في السيناريو، ولا سيما في هذا المسلسل "ضيعة ضايعة" الذي حمل بعد عرضه هذه الإشكاليات؟
في العمل الكوميدي هناك متن غير مسموح المساس به من قبل الممثل. وهو روح العمل، وهذا لا يحق للمثل ولا لأحد غيره التدخل به. هذا المتن هو حامل الفكرة، وهو يتشكل من الحبكة والحوار وأحياناً من الحركة. في "ضيعة ضايعة"، بفضل حرص المخرج الليث حجو، وفي بقية الأعمال المشتركة بيننا، لم يتم الاعتداء عليها، وكان الالتزام فيها حديدياً. وبنفس الوقت، فإنه يوجد هناك دائماً هامش للحركة لدى الممثل لزركشة دوره، وغالباً ما تكون هذه الزركشة من روح النص والشخصية وتلبية لفكرة العمل وسلوكه، إذْ يلتقِط الممثل جملة أو مفردة ويحولها لـ "إفيه" للشخصية مثلاً، أو يخترع جملاً لم تذكر في النص ولكنها مستقاة من جوهر الشخصية، وهذا ما يسمى عمل الممثل على الشخصية وليس اختراعا للشخصية.

ضمن معرض ردك على حداقي، أشرت لمتابعيك أن ينتظروك في أعمالك الأدبية القادمة، هل من عمل أدبي كبير (رواية مثلاً) تحت الكتابة أو الطبع؟
نعم لدي مشاريع لثلاث روايات أحضر لها. وعند أول فرصة سأتفرغ لإنجاز أولها، وقد يستغرق الإنجاز ما يقارب العام. ولكني أواصل نشر مجموعاتي القصصية. وقد نشرت هذا العام مسرحية اسمها "الجلاد المتقاعد" عن "دار التكوين" في دمشق، وقصة "ضمانات للمستقبل" عن "دار ممدوح عدوان".


اتهمك باسم ياخور ضمن برنامجه "أكلناها" الذي يعرض على إحدى المحطات التلفزيونية، أنك كاتب يكرر نفسه، ما استدعى منك رداً عنيفاً، لكن هل هذا صحيح، ومن أين أتى بهذا الاستنتاج؟
الصديق باسم ياخور ليس ناقداً، وبرنامجه ليس مؤهلاً للنقد. طرفا الطاولة وقتها قالا إنني بعد "الخربة" أكرر نفسي، وذلك بكافة الأحوال ليس مسبة. وربما يحدث مع الكاتب، ولكن مع ذلك يحتاج لإثبات، فما الذي كتبته أنا بعد مسلسل "الخربة"؟ عملان "ضبوا الشناتي" و"الواق واق"، وهما عملان لا يرتبطان بأية صلة ببعضهما ولا بما سبقهما، مما يوحي بأن الأصدقاء يلقيان الكلام على عواهنه. في الحقيقة، الانفجار الانفعالي في الرد على ما ورد في البرنامج، هو نتيجة ضغوط كثيرة أخرى كنت أتعرض لها، تزامن توقيتها مع بث البرنامج، وسرعان ما أوقفتها لعلمي بأنني وقعت في خطأ كبير. فالبرنامج، مع احترامي لكل الأصدقاء المشاركين فيه، أتفه من أن يفرحك أو يحزنك، وأنا أعتذر للمشاهدين عن سقوطي إلى هذا الدرك وقتها.
الحقيقة هي أنك ككاتب التزمت أخلاقياً بكافة القضايا التي يحلم به أبناء شعبك في المطالبة بالحرية والكرامة والمعيشة الكريمة والممارسة السياسية ومحاربة الفساد والتمرد على السلطة الجائرة، من خلال أعمالك حتى القديم منها على سبيل المثال "بطل من هذا الزمان" و"مشاريع صغيرة" وصولاً إلى الأعمال الأكثر شهرة. لكن ومع اندلاع الثورة، لم تبد موقفاً واضحاً، لماذا؟ وأين تصنف نفسك؟
الثورة هي وسيلة لإحداث تغيير أو انتقال أو تطور جديد، وليست غاية أو عروساً للتغني بها. عندما اندلعت الثورة كانت غالبية الشعب السوري معها، فلا أحد يحب الاستبداد ولا الفساد، ولا أحد يكره الحرية إلا من ارتبطت مصالحه بذلك، أو تم ترويضه عبر السنين الطويلة، ولكن هذا أيضاً يحتاج لكسر بعض الحواجز ليقول كلمته. ولكن مع تطور الأحداث ودخول قوى كبرى وقوى إقليمية وظهور الفصائل المتطرفة وتشكيل القوى المأجورة، والتي لا يمكن أن أنسبها إلى أي ثورة بأي حال من الأحوال، التبس الخطاب وأصبح عليك أن تنتقي ما تقوله. أنا لم أتغَّير وما زلت مع الحرية ومع الديمقراطية، رغم أن هناك من يحاول تهزيء هذه المصطلحات، وما زلت ضد الاستبداد والفساد. ولكنني أفضل طريقة للخطاب أبحث فيها عن نقاط الالتقاء مع من يختلف معي في الرأي (من الناس تحديداً، وليس من قبل أطراف رسمية)، ولذلك، فكل ما أقوله هو محاولة لفتح حوار، ولست ممن يقول كلمة لإرضاء الجماهير أو لجمع الإعجابات. في الحروب تكثر القذارات، وعليّ أن أراها جميعها، لا أن أرى عيب غيري وأتجاهل عيبي. هذا موقفي الواضح، وقد نشرته منذ البداية تحت عنوان "ما يشبه البيان". ولكن الكثيرين مع الأسف يطلبون منك الردح، وهذا يرضيهم ولكنه يضلّلهم. وهو إضافة إلى ذلك، ربما يشفي غلي وأشعر بارتياح نفسي بعده، ولكني لا أبحث عن هذا. أعتقد أنه بعد هذه السنوات المريرة التي مررنا بها، علينا صياغة خطاب وطني جديد يستطيع الجميع المشاركة فيه. وأقصد بالجميع الفئات الاجتماعية والحركات والمنظمات التي يعتمد طرحها على الفكر وليس جهات رسمية. هذا رأيي الشخصي الذي ربما لن يكون واقعياً الآن، ولكنه في المستقبل أمر لا مناص منه.