ملحمة منع الاحتكاك السورية

15 سبتمبر 2019
الصورة
ثمّة خبر نشرته صحفٌ عربية يوم الخامس من سبتمبر/ أيلول الحالي، يجب تثمينُه بالذهب السبائكي عيار 24 قيراط. يقول إن اتصالات عسكرية جرت بين رئيسي هيئتي الأركان في أميركا وروسيا، دانفورد وغراسيموف، للتأكيد على مذكرة "منع الاحتكاك" بين جيشي البلدين في سورية، بعد خلافٍ نَشَبَ بينهما على خلفية استهداف واشنطن قادةً مرتبطين بتنظيم القاعدة في ريف إدلب أخيرا. 
الدولتان المذكورتان أعلاهُ ليستا على السوية نفسها من العَظَمة، بالطبع، فأميركا يمكن أن تُشَغِّل روسيا عندها لقاء حصة معلومة، مثل الفلاح "المُرَابِع" عندما يشتغل عند "الآغا"، وهي تُشَغِّلُها وغيرَها بهذه الطريقة، بالفعل، بدليل أن المبعوث الأميركي السابق إلى سورية، مايكل راتني، كان يقول إن بلاده تريد أن تعطي الدولَ الأخرى فرصة ليقدّموا ما لديهم في سورية.. ولكن الدولتين، أعني أميركا وروسيا، نوويتان، وعضوان دائمان في مجلس الأمن، ومتسلحان بالـ "فيتو" يجعل قيمةَ أيِّ قرار يتفق عليه الآخرون نصف فرنك سوري مبخوش. وعليه، فإن العَلْقَة بين هاتين الدولتين ليست بسيطة، ويمكن أن تضيف إلى الأرزّ بصلاً، كما يقولون في الكلام الدارج.
المكان الذي يجري الحديث فيه عن "منع الاحتكاك" هو سورية، وسورية لا تستحق أن تحمرّ لأجلها عينُ إحدى الدولتين من الأخرى، ويفكر رئيسُها بفتح أقفال غرفة الزر النووي.. وإذا تقمّصنا حالَ الطرف الأميركي، نقول إننا لا نتحدّث عن المواجهة الاقتصادية مع الصين، ولا عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا عن الاستحقاق الرئاسي الأميركي المقبل، والقصة السورية كلها "مو حرزانة"، ومن ثم على أميركا وروسيا أن يصلّيا على النبي، ويبعدا وساوس الشيطان عن ساحتي تفكيرهما، ويُفَعِّلا اتفاق منع الاحتكاك الذي توصلا إليه بشقّ النفس، على أيام الرئيس الأميركي السابق، أوباما.
أذكر، يومئذ، أن الجانب الروسي استقتل لمعرفة الأهداف التي ينوي التحالف الدولي الذي تقوده أميركا استهدافها، مع تقديم عروضٍ سخية لأن يَفتح الجانب الروسي دفاتره، ويُطْلِع أميركا على الأماكن التي تخطط روسيا لقصفها. وقالوا لأوباما، بحسب زعم أحد الظرفاء: وإكراماً لشارب أبي حسين الغالي، نعطيكم خريطة الأهداف التي سيقصفها نظام ابن حافظ الأسد (على البيعة)! ولكن أبا حسين بقي مُعَنِّداً وراكباً رأسَه، يشتغل ضمن سياسة التسويف والمماطلة، فمرّة يعدهم بأن يجتمع برئيسهم قريباً، ومرّة يرسل إليهم أحد أركان رئاسته، مُزَوَّدَاً بصلاحياتٍ تقتصر على الإصغاء، استئناساً بطريقة التاجر السوري الشاطر الذي يرسل ابنه للاجتماع مع أحد خصومه، ويقول له: اقعد معه، واسمع منه، وأيش ما قال لك قل له: لنرَ، لنفكر ونرد عليك الجواب.. باختصار اشترِ منه ولا تبعه.
أهل بلدة معرتمصرين مشهورون بابتكار الألقاب. يندر أن يمر من تحت أيديهم أحد إلا ويلصقون به لقباً أو اثنين.. لو أحيل إليهم الملفُّ الروسي اليوم، لأطلقوا على روسيا لقب "مَنَّاعة الاحتكاك".. فهذه الدولة، من يوم أرسلت قسماً من أسطولها الجوي إلى سورية لحماية نظام الأسد من السقوط، وهي تسعى إلى منع احتكاكها مع الآخرين. السبب الرئيسي لذلك أن ديبلوماسيتها السياسية، والحربية، تقوم على الكذب. أعلنت، فور قدومها، أنها جاءت لمحاربة "داعش"، وتفرغت، على نحو تام، لضرب القوى المعتدلة، وتهجير المدنيين. وتخصصت بضرب المستشفيات والمدارس والأسواق الشعبية. ولذلك، وخوفاً من الاحتكاك مع الدول الأخرى، بدأت تتواصل لمنع الاحتكاك مع إسرائيل في الجنوب، ومع تركيا في الشمال، ومع الأميركان في الجزيرة وحول نهر الفرات. ولا ضرورة للتنسيق مع الإيرانيين، لأن هؤلاء يدخلون بالجنود، وقيمة الإنسان لديهم، إذا قتل ضمن احتكاك ما، لا تساوي نصف فرنك مبخوش. والرفيق بوتين لا يحتاج للتنسيق مع بشار الأسد، فهو، أصلاً، يمتنع عن استقباله والسلام عليه، ودائماً يوقفه مع المرافقين، و"ستاف" الخدمة.