ملحمة أمجد ناصر

21 ابريل 2019
الصورة
(أمجد ناصر)
+ الخط -

"هكذا تدفن رأسك بين الجموع
قِف
انظر
ولّ ظهرك
لا فرق
لا شيء يغيّر اتجاه الريح التي تهبّ مثلجة
ولا السياط التي تجلد كائنات أسمع صراخها ولا أراها.
قف
انظر،
لا شيء يغيّر اتجاه الريح التي تهبّ قارسة
ولا هرولة الأشجار عارية أمام الجميع"

لسنا أمام دانتي ولا هي الكوميديا الإلهية، نحن فقط أمام شاعر أردني هو أمجد ناصر، ونحن أيضاً أمام مطوّلته القصيرة "مملكة آدم" المنشورة في العدد الأول من "براءات" التي تُلحِق باسمها عبارة، الشعر أكثر الأفعال حظاً من البراءة، المقتبسة غالباً من نوفاليس. بالطبع لا يكاد ينطبق هذا التعريف على نصّ بقدر ما ينطبق على قصيدة أمجد ناصر. بالطبع ليس للشعر حظّ من الخبث أو المراءاة. يوجد الشعر حيث هو الملحمة الكونية، حيث هو القدر والمصير والموت والله، ولأن الشعر كذلك فإنه السلب المطلق.

إن الإيجاب الذي تعنيه أغاني الأزهار والأعياد والأعراس والحب والمديح والرضى. هذا الإيجاب هو سطح فحسب وليس بريئاً ولا هو مشتبه خبيث. إنه فقط الاحتفال والشعر يمتّ الى الاحتفال، الشعر لا يبعد كثيراً عن المهرجان وعن الولادة وعن العرس، لكن كل ذلك كما تقول لنا قصيدة أمجد ناصر لا يملك أن ينازع اللاشيء، حيث لا يوجد صانع ولا توجد إرادة ولا يوجد امتلاء وليس سوى الفراغ والخواء، أي بالكلمة سوى العدم ليس سوى لا ضخمة وكبيرة تطرد من أمامها كل معنى. الشعر يتقطّر ويُعتصر حتى يصل إلى اللامعنى هذا هو ما يركز في مطولة أمجد ناصر.

"هناك عيون تراك ولا تراها.
تنقل الصورة السالبة لشكل الركعة...
...
ادخل في هذا الليل الأرقط
الذي لا يصادف في النواحي
آلهة ولا أبطالاً مثلما في الملاحم
وحكايات ما قبل النوم
فلم تعد هذه الصحراء التي جئتها بيدين مرفوعتين
تنجب أنبياء".
على هذا الغرار تنساب مطوّلة أمجد ناصر، إنها من بدايتها
"لا تقول إنه الموعد
لا تقول إنه مكتوب".

يخوض أمجد في القدر والنهاية واللامعنى والمصير أي إنه يخوض في الملحمة، ونحن نقرأ ونشعر بأننا نقف على مشارف وقمم ملحمية، فنحن لا نصل إلى اللاشيء وإلى السلب المطلق، إلا بعد أن نخوض في أغوار فاغرة، إلا بعد أن نمرّ على الجميع وعلى المنفى وعلى السراب وعلى النهايات المظلمة. نحن هنا في حرب الإنسان مع نفسه وحربه مع قدره، وحربه مع الكون، ومع تهاوي معناه وصيرورة كل شيء إلى نفي عارم.

في مطولته الملحمية يخوض أمجد ناصر بالكلمات المحكمة، ما يمكن أن يكون عمارة من النهايات ومن المصائر والأقدار. إنه في معركة كونية، في سِفر كوني وفي صراع بين الأركان والمصائر، وبين المعاني واللامعاني، وبين الوجود واللاوجود لدرجة أن هذا النص يبني على الريح معركة سديمية وبلا حدود. إننا فعلاً في قلب الملحمة، ولو أن نص أمجد ناصر قصير بالقياس إلى الملحمة إلا أن كونية هذا النص توازي ملحمة كاملة، بل إن تقاطعاتها وقدرته على النفي والكتابة بالسلب، الكتابة بالخواء المحكم، تجعل من النص في سويته واستقامته وتناسقه وامتداده طابقاً بعد طابق وركناً بعد ركن معماراً حقيقياً وملحمة موجزة.


* شاعر من لبنان

المساهمون