ملتقى كتّاب الدراما: الفن والقضايا الكبرى

14 نوفمبر 2019
الصورة
من مسرحية "كومبارس" التي عُرضت في الدوحة سابقاً(العربي الجديد)
+ الخط -
ناقش ملتقى كتّاب الدراما في دورته السنوية الثانية، التي شهدتها الدوحة، يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، "التصوّرات الكبرى في الدراما العربية بين راهن المضمون الفكري وأفق التجربة الجمالية". دعا الكتّاب إلى ضرورة أن يتبنى الفن القضايا الإنسانية الكبرى، ويتناولها في رؤية واسعة وشاملة وموضوعية، وعادلة في الوقت نفسه، وأن تتطرق الدراما إلى الهم المعيشي للإنسان وكيفية العيش في سلام ورصد معاناة الناس عبر أعمال تكون في خدمة المجتمع لا السلطة. 

أوصى المشاركون باستحداث ورش متخصصة لكتاب الدراما الشباب للارتقاء بكتاباتهم وتعزيز حضورهم، والعمل على تقديم تجارب إبداعية شابة لتشخيص وضعية الكتابة الدرامية لدى الأجيال الجديدة، وضرورة الاهتمام بالدراسة الميدانية للتحولات الحاصلة في المجتمعات بالتنسيق مع الجهات المتخصصة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لتطويع نتائجها في بناء النصوص الدرامية.

كما دعا المشاركون إلى الاهتمام بدراما الأطفال، والتنسيق مع المنابر المختصة لنشر أعمال الملتقى، وتخصيص محور دائم حول قضايا الدراما، فضلاً عن بحث صيغ جديدة للملتقى تخفف من البعد النظري، وتضاعف عرض التجارب لكتاب الدراما وتعزز الجانب التفاعلي بين المشاركين.

في ورقة بعنوان "وجع المجتمع تحمله الدراما"، قسّم الفنان اللبناني جان فرنسيس أوضاع الدراما العربية إلى فترة ما قبل الربيع العربي وما بعده، ففي الفترة الأولى عانى الكاتب والمبدع من قبضة السلطة، وإن استطاع النزوع إلى قضاياه الحياتية عبر الدراما التاريخية أحياناً، في حين لم تتغير الدراما العربية كثيراً في الفترة الثانية، وما زالت تعاني من المشاكل نفسها، مؤكدا أن الدراما العربية لم تجرؤ حتى الآن على الغوص في عمق القضايا العربية، "لم نر عملا دراميا مثلا يحاكي بقوة ما يحدث في الشارع السوري بعد الربيع العربي"، داعيا إلى ضرورة أن يتبنى الفن القضايا الإنسانية الكبرى، وتناولها في رؤية واسعة وشاملة وموضوعية، وعادلة في الوقت نفسه.

وفي السياق ذاته، أضاءت الناقدة والأكاديمية المسرحية السورية، حنان قصاب حسن، على مسؤولية كتّاب الدراما لتقديم أعمال هادفة، داعية إلى الاهتمام بتنشئة جيل من الدراميين الذين لديهم وعي اجتماعي وتربوي وسياسي، ولافتة إلى الدور الذي تلعبه المعاهد والأكاديميات المعنية بفنون الدراما في توجيه الكتّاب نحو قضايا المجتمع الكبرى.

أما صاحب مسرحية "أمجاد يا عرب"، الفنان والكاتب المسرحي القطري غانم السليطي، فذهب في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ "تيار الدراما العربية يتجه إلى تدمير الإنسان ثقافة وفكراً، لأن الدراما الآن تحت ضغط الرقابة والعسكر، وفي بعض الدول تنتجها الجهات الأمنية والمخابرات، وبالتالي أصبحت الدراما جرثومة خبيثة تبث عبر وسائل الإعلام، لتدمير الكرامة العربية وتغييب الشعوب عن قضاياها المهمة"، وفق قوله.

واعتبر الفنان المصري هشام عبد الحميد، في تصريح لـ"العربي الجديد"، ملتقى الدوحة بمثابة حجر يرمى في المياه الراكدة للتغيير والتفاعل وكذلك التواصل مع الآخر، ونظرة الدراما العربية للآخر، مشيراً إلى أنها نظرة منمقة تقليدية تصل إلى حد الكاريكاتيرية، فلا بد أن تتغير هذه النظرة وتصبح أكثر عقلانية واحتراما وتسامحا. وأوضح عبد الحميد أنه قدم خلال الملتقى نظرة حول تنميط التصورات في الدراما العربية، خاصة الشخصية الدينية وتطورها ما بين التلميح والتصريح، ومسألة التخوف من عرض الشخصية الدينية، مؤكدا أنه "ليس هناك نصوص مقدسة تمنع من ظهور الشخصيات الدينية المقدسة عبر الأعمال الفنية".

وعن رأيه بمدى انعكاس الدراما على الواقع الحياتي، أوضح عبد الحميد أن هناك بعض الأعمال الفنية تعكس الواقع ولكن ليس إلى حد التغيير، في حين تحاول باقي الأعمال عرض نوع من المتعة للناس، وذلك شيء مطلوب لكن ليس بالمتعة وحدها يحيا الفن، وفق قوله.

يرى المخرج المسرحي العماني ماجد العوفي أن الدراما العربية تحتاج إلى المزيد من التطوير والصقل، ولا بد من وقفة جادة من الكتّاب لتتناسب الدراما مع التطورات الإقليمية، مؤكدا أن المسرح والسينما والدراما بحاجة إلى التطوير، وخاصة في الخليج، ويحدد العوفي ماهية التطوير المطلوب بنوعية الخطاب الدرامي الذي يلامس الإنسان ويعكس همومه وشجونه.
المخرج الدرامي والروائي العراقي فلاح زكي تحدث عن مراحل تطور الكتابة الدرامية، واستفادة الكاتب من التطور التقني، منوها بأنه على صعيد المواضيع والمعالجات الموضوعية بقيت المسلسلات العربية في قلب المشاهد بجميع فئاته تعالج القضايا الاجتماعية السائدة مثل الفساد والقمع ومشاكل العائلة والاختلافات الفكرية لدى الأسرة الواحدة بطريقة تسمح للفرد والأسرة بالتواصل مع أحداث المسلسل وشخصياته والتفاعل معها والتأثر بها أحيانا أخرى، وبذلك أصبحت هذه الأعمال تتحمل مسؤولية اجتماعية لدى مجتمعات الدول النامية في التوجيه التربوي والفكري وليست فقط للترفيه والمتعة وهذا بحد ذاته موضوع واسع.

من جهته، أكد الناقد السينمائي التونسي كمال بن وناس، في ورقته "الدراما بين الأثر الفني وخطاب الأثر"، أهمية العلاقة بين العمل الدرامي كمرآة للمجتمع والخطاب الذي يفرزه كقراءة وتمعن وتأمل في ثنايا العمل الفني.

وشخص الناقد السينمائي المغربي محمد اشويكة طبيعة الدراما وأنواعها، موضحا أن الواقع يؤثر في مفهوم الدراما ويشكل معيار تقييمها من طرف المتلقي، لكن لا يعني أنها تبقى خاضعة له، وإنما تنزاح عنه، ممثلا بذلك الرقابة المسلطة على الأعمال الدرامية على مستوى الوطن العربي، ومنها الرقابة الاجتماعية إلى جانب السياسية، مشيرا إلى أن الدراما في الفترة الأخيرة، أصبحت تهرب إلى الفانتازيا واللاواقع وجاءت بدراما جديدة احتلت شاشات البيوت، "بحيث استطاعت عزلنا عن الواقع الذي نعيشه".

في ختام الملتقى الذي شارك فيه أكاديميون وفنانون وكتّاب ونقاد من 14 دولة عربية، عقدت جلسة حول جائزة الدوحة للكتابة الدرامية، التي ولدت خلال الملتقى الأول العام الماضي، ومن المتوقع الإعلان عن الفائزين الشهر المقبل، وتقدم للجائزة 819 نصا دراميا، منها 316 نصا مسرحيا، و77 سيناريو تلفزيونيا، و426 سيناريو سينمائيا، من 29 دولة حول العالم، وفقا لرئيس اللجنة المنظمة للملتقى، مدير إدارة الثقافة والفنون، حمد الزكيبا.

دلالات