ملاحظات أساسية حول خطة الضمّ الإسرائيلية

31 مايو 2020
+ الخط -
أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاثنين الماضي التأكيد على أولوية خطة ضمّ غور الأردن وكل مستوطنات الضفة الغربية بما فيها النائية والعشوائية ضمن أجندة حكومته الجديدة جنباً إلى جنب مع مواجهة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا، والميزانية العامة والتحديات الأمنية. وكان لافتاً اعتباره مواجهة المحكمة الجنائية الدولية إثر قرارها التدخل والتحقيق في الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بالأراضي المحتلة عام 1967 أي الضفة الغربية وغزة والقدس من أولويات حكومته أيضاً استشعاراً للخطر وضمنياً للاقتناع بعدم شرعية وتجريم خطة الضم حسب القانون الدولي.

تدحرجت كرة الضمّ بسرعة في الشهور الأخيرة، ورغم التأييد الفكري السياسي الواسع للفكرة بغض النظر عن الحجم والكيفية، إلا أنها لم توضع على جدول الأعمال بشكل جدي قبل أن يطرحها نتن ياهو في حملته الانتخابية الثانية أيلول/ سبتمبر 2019 الماضي، ثم يتراجع عنها تحت ضغط قادة المؤسسة العسكرية الذين طلبوا التروي والدراسة المتأنية للخطة تحسباً من تداعياتها السلبية على الوضع الميداني في الضفة وغزة واستقرار السلطة الفلسطينية نفسها، كما على معاهدة وادي عربة والعلاقات مع الأردن بشكل عام.

اختلف الأمر جذرياً مع طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي خطته الخاصة بتسوية الصراع في فلسطين "صفقة القرن" التي تضمنت إعطاء ضوء أخضر لإسرائيل من أجل ضمّ غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية. وهنا بدا نتن ياهو وكأنه استعان بترامب على المؤسسة الأمنية والعسكرية التي ما زالت متحفظة على الضمّ وتداعياته السلبية على الأمن الإسرائيلي لنفس الأسباب التي طرحتها في أيلول/ سبتمبر الماضي.

تدحرجت كرة الضمّ أكثر مع نتائج انتخابات مارس/ آذار التي حقق فيها نتن ياهو تقدماً لافتاً – أحد أسبابه كان دعم ترامب الظاهر له - إلا أنه أي الفوز لم يكن كافياً ليشكل الحكومة مع حلفائه الطبيعيين في معسكر اليمين المتطرف لكنه كان كافياً لإقناع خصومه باستحالة إزاحته من السلطة في ظل التفاف غلاة المتطرفين حوله. وفي ظل انزياح المجتمع نفسه نحو التطرف، وحسب نتائج الانتخابات احتل معسكر نتن ياهو المتطرف نصف مقاعد الكنيست تقريباً، علماً أن النصف الآخر اليميني أيضاً باستثناء "النواب العرب وبقايا ميرتس" لا يعارض الفكرة من حيث المبدأ مع تحفظات على الحجم والكيفية فقط، الأمر الذي استغله نتن ياهو في اتفاقه الائتلافي الحكومي مع خصومه السابقين بتحالف "أزرق أبيض" عبر وضع خطة الضم في صلب الاتفاق الائتلافي وإعطائهم حرية التصويت فقط لا الفيتو على الخطة كلها لقناعته أنها تحوز على الأغلبية في البرلمان حتى دون تأييد شركائه الجدد لها.

بالعموم يمكن الحديث عن نوعين من المعارضة الإسرائيلية لخطة الضمّ أوّلهما سياسي وأمني يتعلق بتداعياتها السلبية على الأمن الإسرائيلي مباشرة، كما على اتفاقات السلام مع السلطة الفلسطينية والأردن بمعنى أنها قد تؤدي إلى رد فعل شعبي فلسطيني قد يصل إلى حد اندلاع انتفاضة شاملة، وربما انهيار السلطة نفسها علماً أن بقاءها لا يزال يمثل مصلحة إسرائيلية وحتى إقليمية ودولية.

أمر مماثل يمكن قوله عن تداعيات الخطة السلبية على العلاقات مع الأردن الحليف الأمني الوثيق لإسرائيل في الجبهة الشرقية حسب التعبير الدقيق للخبير الأمني والاستراتيجي الجنرال عاموس جلعاد في ظل الأجواء الشعبية الأردنية المحتقنة الغاضبة، وبالتالي احتمال انهيار معاهدة السلام – وادي عربة - التي تمثل ذخرا مهما واستراتيجيا لإسرائيل حسب تعبير جلعاد وجنرالات ومسؤولين كثر آخرين.

ثمة معارضة أخرى تبدو أكثر عمقاً وذات أبعاد فكرية سياسية تتعلق باحتمال أن تؤدي خطة الضمّ إلى انهيار حلّ الدولتين برمته وجعل خيار الدولة الواحدة حقيقة واقعة على الأرض، حيث تفقد إسرائيل صهيونيتها وتتحوّل إلى دولة ديمقراطية لكل مواطنيها في ظل الغالبية العربية الديمغرافية الأكيدة، بل الحتمية بعد سنوات أو تفقد ديمقراطيتها، وتتحول رسمياً ودون مواربة إلى دولة فصل عنصري على غرار النموذج الجنوب أفريقي البائد، وعندها سستفقد الدعم الغربي في أوروبا وحتى في أميركا نفسها، وتتحول إلى كيان منبوذ دولياً إلى أن يواجه في النهاية مصيره المحتوم تماماً كما حصل في جنوب أفريقيا.

مع ذلك يبدو نتن ياهو مصراً على تنفيذ خطة الضمّ واستغلال ما يصفها بالفرصة التاريخية لتحقيق ذلك لعدة أسباب فكرية سياسية أيضاً/ منها استغلال وجود ترامب في البيت الأبيض كونه داعما للخطة والحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة آملاً بالحصول على المقابل الصهيوني في الانتخابات الأميركية من القاعدة الإنجيلية اليمينية المتطرفة، من أجل فرض حلّ نهائي من جانب واحد على الفلسطينيين من منظور المصالح الإسرائيلية في صورته الأكثر تطرفاً وتركهم أمام خيار الحكم الذاتي البلدي الموسع طوعاً أو كرهاً. هذا إضافة إلى رغبته، أي نتن ياهو في دخول التاريخ من خلال ضمّ ثلث الضفة وفرض حدود آمنة ودائمة لإسرائيل والقضاء نهائياً على الآمال الوطنية الفلسطينية في الاستقلال وتقرير المصير، وليس بصفته أول رئيس وزراء إسرائيلي يدخل قفص الاتهام، وهو في سدّة الحكم علماً أن تنفيذ خطة الضمّ دون تداعيات وأثمان باهظة سيساعده في فكرة التوصل إلى تسوية قضائية مناسبة والرحيل عن المسرح السياسي من الباب الكبير.

بناء عليه، يجب علينا كفلسطينيين مواجهة خطة الضمّ الإسرائيلية التي أصبحت أو في طريقها لتصبح أمراً واقعاً من خلال فهم خلفياتها وأهدافها، ورفع ثمنها ضمن رفع أثمان الاحتلال الإسرائيلي نفسه عبر مواجهة شعبية سلمية شاملة متعددة المستويات، بما فيها طبعاً القضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية، وقبل ذلك وبعده التحرر من السلوكيات والذهنيات التي أوصلتنا إلى الواقع المأساوي الحالي بما فيها ذهنيتا أوسلو والعسكرة الزائدة الباهظة والمبالغ فيها. جيد طبعاً أن تم التحرر ولو نظرياً من الاتفاقيات "أوسلو وأخواتها" لكننا نحتاج بالضرورة إلى قيادة فلسطينية جديدة شابة ديمقراطية منتخبة تعيد ترتيب البيت الفلسطيني في الداخل والخارج، وتدير الصراع مستفيدة من الدعم الدولي لحلّ الدولتين إلى آخر مدى ثم تلتقط لحظة موت هذا الحلّ نهائيا، وتنتقل لطرح فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة لكل مواطنيها ونيل التأييد الدولي اللازم لها، وبالتأكيد فإن القيادة الحالية الهرمة المترهلة المستبدة الفاسدة قاصرة وعاجزة عن تحقيق ذلك.

المساهمون