مكتبة نابلس تحفظ الجميل لمرتاديها

20 يناير 2015
الصورة
أقدم مؤلّف في المكتبة يعود إلى 500 عام(إسراء غوراني)
+ الخط -
ما زال بشير شرف يرتاد مكتبة بلديّة نابلس بشكل شبه يومي، وقد أصبحت "جزءاً لا يتجزأ من يومياتي" تربطه بها صلات روحيّة وعاطفيّة. فهو واحد من مرتاديها مذ تأسست، هي التي تُعدّ من أقدم المكتبات العامة في الضفة الغربيّة وأعرقها.

وشرف هو أستاذ متقاعد كان يحاضر في جامعة النجاح الوطنيّة، وما زال يستلذ المطالعة بين أزهار وأشجار حديقة المكتبة.

وفي لمحة تاريخيّة، يشير رئيس المكتبة، ضرار طوقان، إلى أنها تأسست في عام 1960 بقرار من المجلس البلدي، لتكون منارة علم وواحة ثقافة في المدينة التي عُرِفت بتاريخها العريق. وهي نجحت، في خلال سنوات عملها، من تحقيق إنجازات كثيرة لخدمة المواطن والباحث الفلسطيني.

ولأن المكتبة رفعت منذ تأسيسها شعار "القراءة حق للجميع"، أتت رسوم الاشتراك فيها رمزيّة. وبالتالي أصبحت في متناول تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والمثقفين، وساهمت كذلك في التشجيع على المطالعة.

في مكتبة بلديّة نابلس أقسام عدّة، من بينها قسم الإعارة وقسم الأرشيف وقسم المراجع والدوريات، بالإضافة إلى قسم المكتبات الخاصة لشعراء وشخصيات ثقافيّة معروفة تبرّع بها ذووهم بعد وفاتهم.

وقد أنشئت المكتبة في حديقة تعود إلى الحقبة العثمانيّة، كان يرتادها أهالي المدينة للتنزه والترفيه. وفي حين كان يطلَق عليها اسم "حديقة المنشية"، كان البعض يسمونها حديقة الفصول الأربعة نظراً لاحتوائها على أنواع مختلفة من الزهور التي تبقى متفتحة طوال العام. واليوم، ما زال القائمون على المكتبة يحافظون على الحديقة نظراً لما تمثله من قيمة عند الناس.

الاحتلال يستهدفها
لم تسلم المكتبة من ممارسات الاحتلال التعسفيّة. هي مرّت بفترات صعبة، وتعرّضت لحملة شرسة منذ احتلال نابلس عام 1967 وفي خلال الانتفاضتَين الأولى والثانية. كذلك اقتُحمت مرات عدّة، وكان الإسرائيليّون يفرضون حظراً على استيراد عدد كبير من الكتب من الخارج، الأمر الذي ساهم في وضع عقبات أمام تطوير المكتبة وتنميتها في كثير من الأحيان.

وفي خلال انتفاضة الأقصى، استشهد عدد من مرتادي المكتبة، منهم مَن هدم منزله، ومنهم مَن تعرّض للأسر. فالاحتلال يخشى عادة المثقفين.

ويُخبر طوقان ما حدث قبل أيام، عندما أعاد أحد مرتادي المكتبة القدامى بعض كتب كان قد استعارها قبل خمس سنوات. فهو كان معتقلاً، واليوم، فور خروجه من السجن، أعاد الكتب في خطوة تدلّ على ارتباط هؤلاء الناس بالمكتبة.

إلى ذلك، ساهم إغلاق الطرقات لأكثر من خمسة أعوام، في خلال انتفاضة الأقصى، في عرقلة وصول القراء إلى المكتبة. فهؤلاء لا يُختصرون بأهالي مدينة نابلس، فهذه المكتبة تُعدّ "منارة ثقافيّة" لقراء ومثقفين من بقيّة القرى والمدن.

مبادرات بناءة
وتفتخر المكتبة بأن عدداً كبيراً من الأدباء والنقاد الفلسطينيّين والمهندسين وأصحاب الرسالات العلمية العاليّة، هم من أبنائها. لذا تعمد في كل عام إلى تكريم مرتاديها القدامى الذين لم يفارقوها وحافظوا على تواصلهم معها على مدى سنوات وعقود.

ويلفت طوقان إلى أن عدد زائري المكتبة يزداد بشكل كبير، وهو ما يعدّه إنجازاً كبيراً للمكتبة. فقد قصدها أكثر من ستة آلاف زائر في خلال الشهر المنصرم، والعدد في تزايد مستمرّ. فالقائمون عليها يحاولون زرع حب القراءة والمكتبة بين الأجيال الناشئة، من خلال تنفيذ أنشطة عدّة وتنظيم فعاليات في داخلها. كذلك، يدعون المدارس إلى إعداد بعض الحصص التعليميّة فيها، وخصوصاً الحصص التي تتعلق بالأدب وتحليل النصوص الأدبيّة.

ويلاحظ القائمون على المكتبة أن معظم الزائرين والطلاب الذين يقصدونها في زيارة أو لحاجة ما، يعودون إليها مراراً وتكراراً. وهذا ما تسعى إليه المكتبة لتعزيز المطالعة بين الناس في ظلّ التطوّر التكنولوجي والعزوف عن القراءة.

شهادات
بسيمة مشاقي، تعمل في مكتبة بلديّة نابلس منذ فترة زمنيّة طويلة. بالنسبة إليها، أصبحت هذه المكتبة جزءاً منها، وهي لا تستطيع الابتعاد عنها. فتجربتها في العمل هنا، أضافت إلى تجربتها خبرات ومعارف.

تشاركها في الرأي إيمان داوود زميلتها القديمة، التي رأت أن الفضل في خبرتها ومعرفتها وثقافتها يعود إلى عملها على مدى سنوات طويلة في المكتبة. هي تقضي جزءاً من وقتها في مطالعة الكتب القديمة والجديدة التي تصل إلى المكتبة.

من جهتها، ترى عزة عنبتاوي التي تعمل منذ فترة وجيزة في المكتبة، أن تجربتها في المكتبة شجعتها على المطالعة والقراءة. كذلك، استطاعت هي بدورها تشجيع صديقاتها على ارتياد المكتبة والمطالعة فيها.

وتجدر الإشارة إلى أن المكتبة تحتوي على العديد من الكتب القديمة التي تحافظ عليها، ويعود أقدم كتاب فيها إلى 500 عام، بالإضافة إلى المخطوطات والخرائط القديمة.