مكافحة الفساد في تونس على المحكّ

05 يوليو 2020
الصورة

تعيش تونس، منذ أسبوعين، على وقع أزمة سياسية حادّة، على خلفية شبهة تضارب مصالح، قد يكون رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ، متورّطاً فيها (إبرام الدولة صفقات مع إحدى شركاته، وإخفاء مساهمات له في شركات أخرى). لا ندري مدى صحة هذه الشبهة. ولكن يبدو أن تداعياتها لن تقف عند هذا الحد، خصوصاً أنّ هيئات الرقابة المالية والقضاء تكفلا بالكشف عن ملابسات القضية التي كشفها الإعلام في حوار مع الرجل، ثم تلقفها نائب، وجعلها قضية رأي عام. والدستور التونسي، وكذا القوانين بعد الثورة، وخصوصاً المتعلقة بمكافحة الفساد وتضارب المصالح، تنصّ على ألا يكون لرئيس الجمهورية أو الوزراء أي مهنة أخرى في أثناء تحمّلهم هذه المسؤوليات، فضلاً عن إلزامية التصريح بمكاسبهم وإجبارية بيع أسهمهم من الشركات التي كانوا يديرونها قبل مباشرة مهامهم. وهي طقوس واظب عليها كل من تولى هذه المسؤوليات منذ صدور القانون. على الرغم من أن بعضهم يثير معضلات عديدة ما زالت قائمة، تتعلق بمدى دقة التصاريح عن الممتلكات وضعف آليات الرقابة في دولةٍ عجزت عن مكافحة الفساد، الكبير والصغير، الذي يخترق نسيج الإدارة التونسية، ما يجعل من تلك المسائل بروتوكولية.

ما كان للفساد أن يتحوّل قضية رأي عام، لولا ما حققته الثورة من تلك المكاسب التي جرّمته، وجعلت مكافحته مهمةً مجتمعيةً 

مثُل رئيس الحكومة أمام مجلس نواب الشعب، ليقدّم حصيلة حكومته بعد مائة يوم من تعيينها، لكن الجلسة تحوّلت إلى ما يشبه المحاكمة، ففي أكثر من 18 ساعة، استحضر معظم المتدخلين ما اعتبروها قرائن تدين رئيس الحكومة، غير أنه تمسّك ببراءته، وقدّم حجاجاً لما يراه ليس مجرّد حسن نياته، بل أيضاً براءته. وقد زاد في جرعة جرأته، حين اعتبر أن الوقت لم يحن لخصومه، حتى يجدوا في سيرته الخاصة والعامة خدشاً في ذمته المالية. ولم يدافع عنه أيّ من أعضاء مجلس النواب، حتى من بين تحالفه الحكومي، وأقصى ما وجده طلب التريث وعدم التسرّع في إلقاء التهم جزافاً.

هذه القضية سابقة في تاريخ تونس السياسي، فللمرّة الأولى يواجه رئيس حكومة يباشر مهامه مثل هذه التهم، ولم تكن لتحدُث، لولا عوامل حاسمة أهدتها الثورة، كرّرها رئيس الحكومة في تصريحاتٍ أدلى بها إلى وسائل الإعلام الوطنية أو الدولية: 

مناخ الحريات الذي لا سقف له، والذي مكّن صحافياً من أن يطرح سؤالاً مربكاً على رئيس الحكومة، تلقفه النواب والجمعيات والرأي العام الافتراضي، لصناعة قضيةٍ وطنيةٍ نبيلة، هي التصدّي لشبهات تضارب المصالح، ولو كانت مرتبطةً برئيس الحكومة، وذلك كله بسرعة الضوء، في بلادٍ كانت ترى الفساد يمشي في الأسواق متبجّحاً، من دون أن تملك حق الحديث عنه سراً.

استطاعت تونس أن تسنّ ترسانة هامة من التشريعات، بدءاً بدسترة مكافحة الفساد، وجعله جريمةً لا تسقط بالتقادم، وأضافت إليها تشريعات عديدة صارمة في ذلك، وأنشأت هيئة وطنية مستقلة تُعنى بمقاومته، فضلاً عن آلاف الجمعيات التي تشتغل على فضحه. يشكو بعضهم هذا الصخب العارم الذي يثار حول الفساد، من دون أن يُرى انخفاضٌ ملحوظٌ في تقديراته الإحصائية، أو تحولاتٍ عميقة في مدركاته، والوعي بخطورته. وما كان للفساد أن يتحوّل قضية رأي عام، لولا ما حققته الثورة من تلك المكاسب التي جرّمته، وجعلت مكافحته مهمةً مجتمعيةً يلعب الإعلام والمجتمع المدني دوراً ريادياً فيها.

قد يكون هذا المزاج الشعبي المناهض للفساد (بعد أن ربحت البلاد معركة الاستبداد) قد منح مصداقيةً وشعبيةً للأحزاب التي صعدت في انتخابات 2019، وقد خاضت سباقها الانتخابي تحت لافتة مناهضة الفساد. ويعدّ حزب التيار الديمقراطي تقريباً أبرز من فاز تحت هذه اللافتة. وحالياً يجد حرجاً في اتخاذ موقفٍ مما يجري، لا لمجرّد غياب حجج وقرائن يرى أن القضاء هو المهيّأ الوحيد للبتّ فيها، بل لأنه كان وراء إقناع رئيس الجهورية باختيار الفخفاخ لرئاسة الحكومة، بعد أن ساهم بقسطٍ وافرٍ في إسقاط حكومة الحبيب الجملي، المحسوب على حركة النهضة.

لا يخشى الناس سقوط حكومة الفخفاخ إن ثبتت التهمة، بل يخشون من أن لا أحد ما زال يثق بالمعركة ضد الفساد أصلاً.

لا يمكن أن ينتظر التونسيون القضاء، حتى يحسم أمر هذه الشبهة، لطول مسارات التقاضي في قضايا كهذه. ولكن قد تدفع نتائج التحقيقات التي بدأت في مباشرتها لجانٌ تشكلت، بما فيها لجنة برلمانية، فضلاً عن هيئات الرقابة الخاضعة للسلطة التنفيذية، رئيس الحكومة إلى الاستقالة، وهذا مستبعدٌ مع استمرار تصريحاته التي تصرّ على براءته باستماتة، ومواصلة ترؤسه للحكومة. وفي كل الحالات، لا يمكنه أن يعتقد، حتى وإن واصل مهامه، "وكأن شيئاً لم يكن"، فالثابت أن مرحلةً جديدةً مغايرةً ستنطلق، لن يحتاج فيها إلى مجرّد إثبات براءته، بل إلى ابتكار مشروعياتٍ أخرى، لن تكون مكافحة الفساد مصدرها الأكبر، كما عوّل على ذلك، وهو الذي ضخّ، في معجم التونسيين، تعبيرات من قبيل دولة قوية وعادلة، و"لا أحد فوق رأسه ريشة"، للدلالة، في اللهجة المحلية، على أن كل الناس سواسيةٌ أمام القانون، ولا حصانة لأحدٍ مهما علا شأنه، فهل يُقدّم رئيس الحكومة مثلاً حياً حتى يكون قدوة؟

لا يخشى الناس سقوط حكومة الفخفاخ إن ثبتت التهمة، بل يخشون من أن لا أحد ما زال يثق بالمعركة ضد الفساد أصلاً.