مقبرة الإنجليز في غزة

مقبرة الإنجليز في غزة

01 يونيو 2016
الصورة
هناك اهتمام يومي بالمقبرة (إيمان عبد الكريم)
+ الخط -

"إنّ الأرض المقامة عليها المقبرة هي هبة من أهالي فلسطين، لتكون مقراً للراحة الأبدية لجنود الحلفاء الذين قتلوا في حرب 1914 ــ 1918 تخليداً لذكراهم". هذه الكلمات كتبت باللغتين العربية والإنجليزية على نصب تذكاري ضخم يصل ارتفاعه إلى خمسة أمتار، يتوسطه صليب كبير.

في المقبرة، كلّ شيء صمم بعناية. الأشجار والقبور التي تضم رفات جنود الحلفاء. هذه المقبرة أطلق عليها الغزيون اسم "مقبرة الإنجليز"، وتقع في منطقة التفاح شرق مدينة غزة. للوصول إليها، تجتاز شارعاً زرعت على جانبيه أشجار المورسيان والدرينكس. دفن في المقبرة نحو أربعة آلاف جندي. وعلى كلّ قبر شعار الدولة التي يحمل الجندي جنسيّتها، بالإضافة إلى عمره ورتبته العسكرية وتاريخ وفاته.

بابتسامة لا تفارق وجهه، يستقبلنا إبراهيم جرادة، هو الذي يعرف تفاصيل كثيرة عن هذه المقبرة، وقد أمضى حياته فيها. يقول لـ"العربي الجديد": "عملت في هذه المقبرة على مدى أكثر من أربعين عاماً". في الوقت الحالي، لم يعد يعمل فيها بسبب تقدّمه في السن، وقد تولى ابنه عصام الاهتمام فيها. يضيف: "بالنسبة للغزيّين، تعدّ هذه المقبرة بمثابة متنفس، وكثيراً ما يقصدونها لقضاء وقت جميل والاستمتاع بجمال الطبيعة". يتابع: "يقصد كثير من الغزيين المقبرة لأخذ الصور التذكارية، خصوصاً الشباب والفتيات. كذلك، يقصدها الكثير من تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات للدراسة، خصوصاً أن المكان يؤمّن لهم الهدوء الذي يحتاجون إليه". إلا أنه يؤكّد أن المقبرة "ليست متنزهاً وإن كانت مفتوحة أمام الزوار بشكل يومي".

عن تاريخ المقبرة وما شهدته من أحداث وقصص، وما تخفيه من حكايات الجنود الذين ضمهم ترابها، يقول جرادة: "تسمّى مقبرة حرب غزة، وهي تابعة للشعب البريطاني، وقد استلمت إدارتها بعد والدي ربيع جرادة. تضم المقبرة جنوداً من جنسيات متعدّدة من أستراليا وكندا وبريطانيا، بالإضافة إلى جنود إنجليز من أصل يهودي ومسلمين أيضاً".



تشرف على المقبرة رابطة الكومنولث، وتتولّى تنظيم العمل فيها وإدارة طواقم العمل. وتعدّ هذه المقبرة معلماً تاريخياً مهماً نظراً لقدمها. يقول جرادة: "يجب على الناس إدراك أهمية هذه المقبرة والحفاظ عليها، خصوصاً أنها توثّق حقبة تاريخية مهمة في التاريخ الحديث، وقد شهدت على الكثير من الأحداث التي عصفت بغزة". يضيف: "على مدار السنوات الكثيرة الماضية، كانت المقبرة مقصداً للكثير من العائلات الإنجليزية التي دفن أبناؤها فيها. كان البعض يلتقط صوراً تذكارية للقبور. وبسبب الأوضاع السياسية الصعبة التي تعاني منها غزة، قلّ عدد السياح الوافدين إلى المقبرة".

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة البريطانيّة تخصّص ميزانيّة كبيرة للاهتمام بالمقبرة. في هذا السياق، ليس مستغرباَ أن تراها مليئة بالأزهار والأشجار. ويخصّص جزء من هذه الميزانية لترميم شواهد القبور من حين إلى آخر. منذ أكثر من ستين عاماً، يهتم جرادة وعائلته بالمقبرة، ويتقاضى راتبه من السفارة البريطانية في القدس. كذلك، يتولّى عدد من العمال ترميم القبور والزراعة بصورة يومية. ويصل راتب العامل في المقبرة إلى نحو ألف دولار شهرياً.

في الجهة الشمالية من المقبرة، يجلس محمود عطا (66 عاماً)، وهو أحد الزوار الدائمين للمقبرة. اعتاد المجيء إليها أسبوعياً، طمعاً في الراحة والاسترخاء. يقول: "كلّ شيء في المقبرة جميل، كالأشجار والزهور وغيرها"، لافتاً إلى أن الهواء ينعش الروح. وكثيراً ما يتذكّر حكايات سمعها من جده عن ضراوة المعارك بين جيش الحلفاء والجيش العثماني.

في المكان نفسه، رفاة لجنود أتراك من دون أن يكون هناك شواهد على قبورهم تشير إلى أسمائهم. هؤلاء لقوا حتفهم خلال الحرب العالمية الأولى.

على الجانب الآخر، يجلس تامر وهديل اللذان ينويان الزواج قريباً. كان قد وعدها بأخذها في رحلة سياحية إلى أوروبا، فتوجّها إلى المقبرة. تقول: "ضحكت كثيراً حين وقفت على بوابة المقبرة. كنت أعتقد أنه يمازحني. لكن عندما بدأت أتجول فيها، شعرت بأن هذا المكان جزء من أوروبا، على غرار المساحات الخضراء الجميلة التي نراها على شاشة التلفاز". أما هو، فيوضح أن "جزءاً كبيراً من أحلامنا يدمّر بسبب الحصار المفروض على غزة. نحن غير قادرين على السفر بسبب الحصار. أحرص على المجيء إلى المقبرة من حين إلى آخر. هنا، أشعر بأنني أعيش خارج جحيم غزة".