مقايضة مستترة؟

12 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

منذ تهريب العميل اللبناني عامر الفاخوري من مقر السفارة الأميركية في بيروت، في مارس/ آذار الماضي، إلى الولايات المتحدة، بعدما برّأه القضاء من تهمة تعذيب الأسرى في سجن الخيام إبّان الاحتلال الإسرائيلي، دارت علامات استفهام كثيرة حول التفاهم الضمني الذي أدى إلى إطلاقه وتسفيره، فكل الكلام الذي قالته الحكومة اللبنانية، ومن ورائها حزب الله باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد، حول عدم علمها بالعملية الأميركية، لم يكن بالإمكان قبوله بالمنطق السياسي، خصوصاً أن التهريب تم جوّاً، وهو ما كان يمكن أن يحصل من دون موافقة على استخدام الأجواء، بحسب ما هو متعارف عليه عالمياً.
حينها خرجت انتقاداتٌ كثيرة لحزب الله، حتى من أنصاره الذين لم يستسيغوا كل ما قيل عن عدم علمه بتهريب الفاخوري، حتى على لسان أمينه العام حسن نصرالله الذي نفى وجود صفقة في الأمر، غير أن حزب الله تحديدا لم يتخذ أي إجراء لمساءلة الحكومة حول قضية تهريب الفاخوري، وما يمكن أن تمثله من انتهاك للسيادة اللبنانية، عدا عن استخفاف بالقضاء، وخصوصاً أن هناك دعاوى ضد الفاخوري أمام المحاكم اللبنانية. 
ذهبت التحليلات والتفسيرات لسكوت حزب الله، أو غضّه الطرف عن القضية وعدم الذهاب بها بعيداً، إلى وجود صفقة ما بينه وبين حليفه "التيار الوطني الحر" الذي يتزّعمه الرئيس اللبناني ميشال عون، باعتبار أن الفاخوري كان مقرّباً من هذا التيار، وأن التهريب كان لإرضاء الحليف. إلا أن الوقائع التي حدثت قبل أيام دحضت هذه التفسيرات، وبدأت تُلقي الضوء على تفسير آخر قد يكون أقرب إلى الواقع عن وجود صفقة مقايضة مستترة بين الولايات المتحدة وحزب الله في قضية الفاخوري، وأن الأمر ليس مجرّد مجاملة داخلية لحليفٍ يدافع عن العملاء ويطالب بإعادتهم إلى لبنان، وليس تهريبهم إلى الخارج.
فمع إطلاق الولايات المتحدة سراح قاسم تاج الدين، المتهم بتمويل حزب الله والموضوع على القائمة الأميركية لتمويل الإرهاب، أصبح الربط كبيراً بين قضية فاخوري الذي يحمل الجنسية الأميركية وتاج الدين، خصوصاً أن الأخير كان من المقرّر أن يبقى في السجن حتى 2023، ثم حدث إطلاق سراحه بشكل مفاجئ بناء على أمر قضائي، بعد التماسٍ قدّمته محاميته لتخفيف محكوميته لتجاوزه سن الـ 65 عاما. وعلى الرغم من أن سياق الإفراج قانوني، إلا أنه مثير للريبة، ولا سيما أنه يأتي في ظل التشديد الأميركي الكبير في العقوبات على إيران، ومن ورائها حزب الله، وتحديداً في ما يتعلق بمصادر التمويل، وهو ما بات ينعكس بشكل مباشر على لبنان اقتصادياً.
الحديث عن الصفقة توسع لاحقاً، ليشمل إيران التي أطلقت سراح المواطن الأميركي مايكل وايت الذي احتجزه الحرس الثوري في عام 2018 خلال زيارة لصديقة له في طهران، وإطلاق السلطات الأميركية سراح مجيد طاهري، المواطن الإيراني الذي حُكم عليه بتهمة تصدير معلومات ومواد إلى إيران على الرغم من نظام العقوبات المفروضة عليها.
نفي حزب الله، على لسان نائب الأمين العام، نعيم قاسم، وجود صفقة، وصادق على التصريحات الأميركية التي تدحض هذا الأمر أيضاً، ومن المرجّح أن يخرج الأمين العام أيضاً ليؤكد الأمر، غير أن ذلك لن يلغي التساؤلات والتحليلات، خصوصاً من أنصار الحزب أنفسهم، أو من يدورون في فلكه. ولعل إصرار حزب الله على النفي يعود إلى هؤلاء تحديداً، إذ إنه لا يمكنه الظهور بمظهر المفرّط بحقوقهم أو المتساهل في ملف العملاء. كما أنه لا يستطيع تقديم الأمر على أنه عملية تبادل، كتلك التي حصلت مع إسرائيل، إذ سيجعل ذلك من الفاخوري "أسيراً" يمكن مقايضته مع آخرين، وهو ما قد يضرب علاقاته مع حلفائه في الداخل اللبناني.