مقاومة وطنيّة فلسطينيّة موحّدة
كل شيء مستهدف في غزة، البشر والشجر والبحر. لكن، ثمة تكاتف أخوي ما بين حركات المقاومة والناس، وهذا ما يشعل نيران الحقد في قلوب الآخرين، ممّن ينظرون إلى المقاومة خطراً على مصائرهم. الصور والمشاهد القادمة تقول ذلك، تعاضدٌ غايةً في الرقيّ. كل مَن في غزة شكلوا المقاومة الفلسطينية الوطنية الحقيقية التي أذلّت إسرائيل، وأفشلت مخططاتها، وأحبطت مُراد من حالفها من الصهاينة العرب!
الذي يحمل سلاحاً، والرجل في بيته، والطبيب في مشفاه، والعامل في مخبزه، والمواطن في الشارع، والمقاوم المرابط، الجميع شركاء في الفعل، ومن الاستحالة بمكان تجيير النتائج، وحصرها لصالح طرف واحد دون الآخر. والمقاومة ورجالاتها لا يعتبرون تقديم أي حركة دعم من أي دولة، إعلان تبعية، وسيطرة لهذه الدولة على أفكار المقاومة وتوجهاتها. فالمال وحده لا يصنع مقاومة، بل التقاء المصائر والتوافق على إرادة المقاومة.
لنفترض جدلاً أن أي طرف من الدول الصديقة للمقاومة طلب من حركة الجهاد الإسلامي تسليم السلاح، هل يرضى رمضان شلح بذلك؟ أو أن الطرف نفسه طلب من حركة حماس تسليم خرائط الأنفاق الجهادية، وتفكيك أسلحتها الصاروخية، هل يرضى خالد مشعل بذلك؟ عندما تتابع الإعلام الإسرائيلي، لا يمكن أن ترى أحداً يقول إن الجيش الإسرائيلي خاضع لإرادة الحركات الدينية اليهودية، أو العلمانية، أو يتبع حزب الليكود، أو كاديما، أو العمل، فجميع الصهاينة يعتبرون جيش الاحتلال جيشهم، ولهم هدف واحد، لا يخضع للإرادة الفردية، بل للإرادة الجماعية لمصلحتهم الاستعمارية. ولأن المقاومة تفهم أن عدوها واحد، كما شعبها واحد، فهي متوحّدة بذكاء وحب.
يرى بعضهم أن حماس هي مَن تقود المقاومة الفلسطينية اليوم، وآخرون يرون إبداع حركة الجهاد الإسلامي، وسواهم يرون ان كتائب أحمد أبو الريش، أو أبو علي مصطفى، لها دور كبير في "بهدلة" العدو الصهيوني. لكن، ما الفرق، إذا كانت المحصّلة لجهد هؤلاء جميعاً، هي تشكيل جسد واحد، اسمه المقاومة الوطنية الفلسطينية، وهدفها واحد. بعد نهاية العدوان، يمكن الجلوس مع حماس، أو مع أي طرف في المقاومة، ونقاشه ومحاورته ومحاسبته، إن لزم الأمر، إذا كان قد أخطأ في شيء. لكن من العار أن يطالب بعضهم بمحاسبة المقاومة، وتحميلها مسؤولية أرواح المدنيين الذين يقتلون بآلة الحرب الصهيونية. أيّ نقد ومحاسبة للمقاومة لا يكون الهدف منه تقوية المقاومة، وتحسين أدائها، فإنه يكون من باب العداء والهجوم.
وإسرائيل لا تميّز في قصفها، ولا تستثني أحداً، ولا تفرّق بين أحد وآخر. الطائرة التي تحلّق عالياً تقصف الجميع. فابن حماس، وابن الجهاد، وابن فتح، وابن الجبهة الشعبية، جميعهم أهداف للاحتلال، فهل من الممكن، مثلاً، أن تجد جندياً صهيونياً يوجه بندقيته إلى صدور أبناء حماس، لكنه يمتنع عن توجيهها إلى صدر مقاوم من فصيل آخر؟ إسرائيل تنظر إلى الجميع باعتبارهم مكوّناً واحداً، يتوجّب إنهاء حياته، وارضاخه، والسيطرة عليه. فلماذا ينظر بعض مَن يعتبرون أنفسهم قادة تيارات حزبيةٍ وشعبيةٍ، ومنظّرين لها، بعين التفرقة والحزبية الضيقة؟
الأصل في المقاومة الوحدة والعمل المشترك، وأن ينضوي الجميع تحت سقفها، وقيادتها الموحدة. والضرورة التاريخية، اليوم، تتطلّب أقصى درجات الوحدة في صف المقاومة، والتنسيق العملي الجمعي التشاركي في ما بينها، لأننا لسنا في مسابقة يفوز فيها مَن يتصدّر الإعلام أكثر، أو يقول إنه قتل عدداً أكبر من الصهاينة. لا بد أن يكون التنسيق موحّداً، يعبّر عن أفعال الحركات وأقوالها جميعها، من دون استثناء. تستقبل قنوات فضائية مأجورة ضيوفاً مأجورين، يحاولون تأجيج حروب بين أتباع الفصائل، وهذا محزن ومؤسف، ويدعونا للقلق كما للحذر، فهذا لا يخدم المقاومة الوطنية الفلسطينية، بل يخدم إسرائيل وأجهزتها.
الحقيقية على أرض الواقع بعيدة عمّا يطرحه هؤلاء، ونحمد الله أنهم جميعاً بعيدون عن غزة، فالمقاومة في غزة مترابطة ومتماسكة، لا تنظر إلى نعيقهم، ولا إلى عنصريتهم الفصائلية.