مقالب محبوكة بشكل رائع

06 يونيو 2020
تحدث كمال في مستهل لقاء "الإمتاع المؤانسة" عن ولع أهل إدلب بإجراء المقالب. وقال إن هذه العادة ابتدأت لديهم في عصر ما قبل التلفزيون، حيث كان الناس يبحثون عن التسلية، ويسعون إلى الحصول على ضحكة أو ابتسامة تتخلل حياتهم الملأى بالتعب والملل.

تساءلت أم الجود عن نوعية المقالب التي كانوا يصنعونها، فأوضح لها كمال أن المقالب عادةً تصمم للإيقاع برجل غشيم، أو عصبي، أو أهبل، أو كذاب، أو مُدَّعٍ، أو مجنون... وأما الإنسان العاقل المتوازن، فلا يمكن إيقاعه في مقلب مضحك، لأن ردود فعله تأتي مدروسة، وناضجة، وبالتالي لن يكون هناك جدوى من صنع مقلب فيه.

أبو محمد: كلامك كويس كتير يا أستاذ كمال. بس لا تنسى إني أنا عمك أبو محمد من الجيل القديم، وما كتير بحب الحكي النظري.

كمال: اعتبرْ الكلام النظري يا عمي أبو محمد مقدمة للحكايات. إنته بتعرف قصة الكذاب اللي عَمَّر بناية؟

أبو محمد: لا والله ما بعرفها.

كمال: كان الكذاب عم يخبر رفاقه بخبر، وقال لهم: (عَمَّرْنا بناية تلاتين طابق، طول واجهتها مية وخمسين متر، وإرتفاعها شي ألف وخمسمية متر). في واحد من أصدقاؤه، لاحظ إنه عم يكذب كتير، فغمزه، وقرّب عليه وقال له: (إنته عم تبالغ كتير. معقول في بناية بكل هالطول وهالارتفاع؟ يا ريت تصغّر الكذبة شوي). في هالأثناء في واحد سأله للكذاب: دخلك، وقديش عرض هالبناية؟

فرد عليه تلقائياً وقال: عرضها نص متر!

ضحك الحاضرون.

أم الجود: حلوة كتير هالقصة. بس يا أستاذ، نحنا كنا عم نحكي ع الممرض سلمون. يعني هوي نفسُه الكذاب تبع البناية؟

كمال: لا، سلمون بيكذب بطريقة تانية مختلفة. بتتذكروا أول كذبة رويناها عنه لما قال إنه الدكتور بيشق بطون المرضى وهوي بيخيّطها؟ هاي الحادثة يا أصدقاء جرت في أواخر الستينات، وبوقتها كانت مدينة إدلب زغيرة، وعدد سكانها قليل، ومعظم الناس بيعرف بعضهم البعض، منشان هيك تم تداول الكذبة تبع سلمون، وانتشرت بين الناس بسرعة، وهالشي خلق في البلد جو فكاهي ممتاز. وانفتحت شهية بعض الناس على صنع المقالب.

أبو محمد: حلو. يعني هلق راح نسمع قصة جديدة.

كمال: طبعاً. يا سيدي كان في شخص ظريف جداً اسمه أبو محمود، راح لعند الدكتور عبد السلام عَ البيت، وعرض عليه خطة مدروسة لمقلب ناوي يعمله بسلمون. الدكتور بمجرد ما يسمع بإسم سلمون بيبلّش يضحك، ومستعد يعمل أي شي حتى لو بده يخسر مصاري، بشرط إنه هالشي يكون موجه ضد سلمون. لذلك اهتم بأبو محمود، وطلب من زوجته تعمل أبريق شاي، وقعدوا التنين أكتر من ساعة وهني عم يرسموا المخطط الكامل للمقلب.

حنان: بصراحة، أنا تشوقت حتى أعرف التفاصيل.

كمال: تاني يوم، الساعة طنعش في فترة الظهيرة، دخل أبو محمود على غرفة الانتظار اللي كان فيها أكتر من عشرين شخص بين رجل وامرأة وطفل، وقال:

- يا ناس، يا أهل البلد، يا طيبين يا أوادم، أنا في إلي حق عند الدكتور عبد السلام، وهلق ما راح إطلع من هون حتى آخد حقي.

دهش الحاضرون، وكان بينهم شخص صاحب دكان قريبة من منزل الدكتور عبد السلام، انزعج من كلام أبو محمود ووقف وقال:

- إنته أشو عم تحكي يا عين عمك؟ الدكتور عبد السلام ما بياكل حق حدا. هادا رجل حقاني، أنا بيشتري من عندي قيمق وقريشة وجبنة وحليب ولبن، وبيدفع لي حسابي على آخر فرنك، ومرة أجا لعندي لقاني عم إتخانق مع مَرَا فقيرة لأنه إلي معها مصاري وما عم تدفع، الدكتور قال للمَرَا: روحي إنتي يا أختي على بيتك، أنا بدفع عنك. ودفع عنها المبلغ بالكامل.

أبو محمود: إنته يا عمي عم تحكي على دين من الدكان. أنا بعترف إنه الدكتور حقاني وذمته ممتازة، بس الموضوع تبعنا مختلف.

حصل لغط في العيادة، وسأله أحدهم: شلون يعني مختلف؟

أبو محمود: من كام يوم جبت والدي لعنده، وبعدما عاينه قال لي يا أبو محمود حالة أبوك خطرة وبده عملية. قلت له: لا مانع. قال لي الزائدة ملتهبة ولازم نشيلا. قلت له: منشيلا، بس بشرط أنا بدي إحضر العملية. قال: موافق. المهم خدروه، والدكتور شق له بطنه، وشال الزائدة، يا سيدي وهوي عم يبحبش في بطنه شاف إنه المرارة صايرة على نص عمرا، قال لي: هاي كمان بدنا نشيلا، قلت له: شيلا. وبلا طول سيرة كلما لقى شغلة ما عجبته يشيلا. لحتى خلص. ولما خلص نادى للممرض تبعه وقال له:

- تعال يا سلمون رجع كل شي لمحله وخَيّط.

بعد يومين من العملية شاف الدكتور إنه وضع الوالد متحسن، فوقف السيروم، وقال خدوه ع البيت. أخدناه.

واحد من الزباين: وعم تقول إلك حق عند الدكتور؟ من وين هالحق إذا إنته عم تعترف إنه العملية نجحت وأبوك تعافى؟ يعني أخد منك سعر أعلى من تسعيرة وزارة الصحة؟

أبو محمود: يا ريت لو أخد مصاري زيادة. أصلاً هوي أخد نص الأجرة. بس اللي صار إنه وقعنا بمشكلة ما عاد نلاقي لها حل. بعد العملية الوالد صارت تفوح منه ريحة بصل! إذا تنفس بتطلع ريحة بصل، وإذا طلع منه غازات (حاشاكم) بصل، حتى حكى لي إنه في شغلات خاصة كلما عملها بيشم ريحة بصل.

ساد الوجوم على وجوه الحاضرين، وفي هذه الأثناء خرج الدكتور عبد السلام من غرفته، ووقف في مواجهة أبو محمود وقال له:

- يا سيد أبو محمود، الحمد لله أنا سمعت كلامك من أوله، وبدي أرد على سؤال بسؤال: إنته لما حضرت العملية كان في بالغرفة بصل؟

أبو محمود: لا والله.

عبد السلام: معناها ما في غير احتمال واحد. إنه يكون الممرض سلمون داحش بصلة في بطن المريض قبلما يخيّط له بطنه!

أبو محمود: والله صحيح. معناها أنا حقي عند ممرضك سلمون.

في هذه الأثناء جاء سلمون من الداخل وقال:

- علي الطلاق كذب، روح اسآل مرتي، أنا ما بحب البصل ولا باكله.

أبو محمود: نحن ما قلنا بتحب البصل أو بتاكله. عم نقول إنك دحشت البصلة في بطن أبوي قبلما تخيط له بطنه.

هنا ضحك سلمون بشماتة، وقال:

- حاجتك علاك وحكي فاضي. أصلاً الدكتور عبد السلام طبيب عام، ومو جراح، وبعمره ما شق بطن حدا، وأنا هون شغلتي كناسة وتنضيف، أشو معرفني بخياطة البطون وما بطون؟ إذا بدك تكذب روح تعلم الكذب على أصوله وتعال اكذب! 

دلالات

تعليق: