مفكّرة المترجم: مع عبد السلام باشا

11 اغسطس 2020
الصورة
عبد السلام باشا

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية. "لا تهمّني الاعتبارات السياسية في ترجمة الأعمال الأدبية، بل جودتها وجمالها. لكنّني أميل إلى التي تنتصر للديمقراطية وتناهض الديكتاتورية والقمع"، يقول المترجم المصري لـ"العربي الجديد".


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ 
- اخترتُ الدراسة في كلية الألسن لأنّني كنت أرغب في العمل بالترجمة والكتابة. كان تفكيري أنّ دراسة الإعلام ليست ضرورية للعمل في الصحافة، ودراسة العلوم السياسية هي أبعد ما يكون عن شخصيتي ورغباتي. وبعد ذلك كان عليّ أن أقوم باختيار آخر. كانت دراستي السابقة للغة الألمانية في المرحلة الثانوية تؤهّلني لاختيار هذه اللغة التي يرغب الجميع بدراستها في الكلية. لكنني كنت قد مللت منها، واخترت اللغة الإسبانية في قائمة الرغبات لتوزيع الطلبة على أقسام الكلية، حيث كانت الأفضلية دائمًا لمن حصلوا على درجات أعلى في اللغات في الثانوية، ولمن درسوا لغة ما كالألمانية أو الإيطالية. وفوجئت قبل بدء الدراسة بأنّ إدارة الكلية قد ألحقتني بشكل تلقائي بقسم اللغة الألمانية. ولم تطأه قدماي، تحمَّلت نظرة الدهشة في عيون الموظّفين والزملاء والأساتذة عندما قدَّمتُ طلبًا لتغيير القسم. وقمت بزيارة رئيس قسم اللغة الإسبانية في مكتبه وشرحت له الموقف، وطلبتُ منه أن يسمح لي بحضور المحاضرات بشكل غير رسمي حتى يتم البت في طلبي، ووافق دون اعتراض. والسبب في اختياري اللغة الإسبانية هو الملل الذي شعرت به مع اللغة الألمانية من جانب، وهوسي بأدب أميركا اللاتينية وإسبانيا الذي كنت قد قرأت منه الكثير قبل ذلك. وفي السنة الأخيرة اخترت أن يكون بحث التخرّج ترجمة عمل أدبي صغير، وهو رواية "المجنون" لميغيل ديليبس، والتي نشرتُها في كتاب بعد تخرّجي بعامين.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
- آخر الترجمات رواية كتالونية بعنوان "حضور غير مُكتمل" للشاعر والروائي الإسباني كارلوس باشا. وحاليًا أقوم بمراجعة وتحرير رواية "حلمت أنّ الجليد يشتعل" التي ترجمها مترجم زميل لأنطونيو سكارميتا.

قرصنة الكتب المترجمة استيلاء صريح على جهد المترجم وحقوقه


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟ 
- قرصنة الكُتب المُترجمة، لأنّها استيلاء صريح على جهود المترجمين وحقوقهم وحقوق دور النشر. وهو ما يُقلّص من فرص إعادة نشر أعمال قديمة والتي ربما تكون قد نفدت ورقيًا. وأيضًا محاولة بعض دور النشر إهدار حقوق المترجمين أو عدم احترام الاتفاقات.


■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
- أعتقد أنّ دور المحرّر للأعمال المكتوبة أو المُترجمة دور هام. لكن كما يحدث في كرة القدم، حيثُ يجب أن تكون دراية المُدرّب أكبر من دراية اللاعب بأساليب اللعب والتكتيكات، يجب أن يكون المحرّر أكثر اطلاعًا ودراية وأصوب حكمًا من المترجم أو المؤلف. بالفعل، مرَّت بعض أعمالي بمحرّرين وكان هناك اتفاق مُسبَق بالاطلاع على النص بعد عمل المحرّر لكي لا يؤدي تدخله المُحتمل إلى إفساد العمل. وأفضل تجاربي في هذا الشأن كانت مع الشاعر والمترجم رفعت سلَّام، أثناء إشرافه على إحدى السلاسل بهيئة قصور الثقافة المصرية، حيث نشرت ترجمة "حكايات" لبورخيس، في أول ترجمة كاملة للكتاب عن الإسبانية. وتقريبًا لم يتدخّل في الترجمة، وإنّما كانت تعليقاته استفسارات عن قصديّة المفردات أو التعبيرات، واقتراحات بتعبيرات أفضل، بالإضافة إلى نقل الهوامش من مكانها أسفل الصفحة إلى نهاية الكتاب، اتّباعًا لأسلوب السلسلة.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
- أحيانًا أقوم باقتراح أعمال، وأحيانًا يعرض عليَ الناشرون أعمالًا أختار منها. لحسن الحظ، كانت اختياراتي من أفضل الأعمال توزيعًا ونجاحًا.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
- الاعتبارات السياسية لا تهمّني لدى ترجمة الأعمال الأدبية، فهي أعمال فنية في نهاية الأمر، وما يهمّ هي جودتها وجمالها. لكن لا يمكنني النفي أنّني أميل بشكل شخصي إلى الأعمال التي تنتصر لأفكار الديمقراطية والانتصار على الديكتاتورية والقمع. هناك مؤلفون من أصحاب الاتجاهات السياسية التي يمكنني وصفها بالمشينة، مثل بورخيس وكاميلو خوسيه ثيلا، لكن جودتهم الأدبية أهم وأكثر حيثية من آرائهم ومواقفهم السياسية.

يجب أن يكون المحرّر أكثر اطلاعاً وأصوب حكماً من المترجم


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
- هذا يعتمد على الكاتب وعلى العمل. أحيانًا أتماهى مع المؤلّف، وأترجمه بشغف وحب، سواء بسبب المواقف الإنسانية مثل ترجماتي لميغيل ديليبس، أو المواقف السياسية مثل ترجماتي لأنطونيو سكارميتا، أو فنيًا مثل ترجماتي لريكاردو بيجليا وروبرتو بولانيو. وأحيانًا تكون الترجمة مُجرد عمل، أؤديه باحترافية، لأنّ هذه هي مهنتي.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
- أولًا، أتعلّم من أساليب المؤلّفين الذين أترجمهم في محاولاتي السرديّة. ثانيًا، أنا من أنصار فكرة أن يكون أسلوب المُترجم هوالإخلاص لأسلوب العمل الأصلي، في مستوياته اللغوية، هل هي لغة عتيقة أم حديثة، هل هي لغة فصيحة أم عامية، هل هي لغة شاعرية أم لغة تقريرية مُباشرة. وأيضًا الإخلاص لإيقاع النص، هل هو سريع أم بطيء، إلخ. أما المترجمون الذين يقومون بترجمة أي مؤلف، مهما كان بلده الأصلي ولغته وأسلوبه، بذات الطريقة، فأنا شخصيًا لا أحب عملهم.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
- حقيقةً لم أهتم حتى الآن بأي جوائز ولا أعرف ما هي الجوائز الموجودة أصلًا. ربما يكون هذا عدم ثقة في حياديّة الجوائز بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص. ربما لأنّني أهتم أكثر بردود فعل القرّاء العاديين ونجاح الترجمات بينهم. رُبما يكون هذا العزوف أو عدم الاهتمام جزءًا من شخصيتي.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
- أعتقد أنّ الترجمة المؤسساتية ليست أمرًا جيدًا أو سيئًا في حدِّ ذاته، وإنّما تتعلق بحجم العمل أو الأعمال التي تتناول موضوعات شبيهة، أو لذات المؤلف. وما ينقصها هو التنسيق، ووجود مُترجمين جيدي التأهيل وموهوبين، بالإضافة لوجود مُنسق أو مدير قادر على إدارة فريق عمل دون حساسيات شخصية وشخصنة الأمور. للأسف يوجد بعض المترجمين الكبار الذين يخدعون المترجمين الصغار لكي يترجم كلّ منهم جزءًا من عمل ما، ويضع عليه اسمه في النهاية، مع وعود بأن يترجموا أعمالًا كاملة بأسمائهم في المستقبل. هذا على سبيل المثال مشروع مؤسّسي لكنه قذر وحقير. لو كانت هناك دار نشر أو كان المترجم الكبير مُحترمًا، لوضع اسمه كمُراجع أو كمحرّر للترجمة مع وضع أسماء المترجمين الذين قاموا بالعمل الحقيقي.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
- قاعدتي في الترجمة هي احترام مستوى لغة وأسلوب المؤلف، والخصائص الثقافية للعمل، خصوصًا مع وجود سياقات تاريخية ومجتمعية وسياسية متعددة في مختلف بلدان أميركا اللاتينية. بالإضافة إلى أسلوب الرواية، على سبيل المثال، رواية "تنفس صناعي" لريكاردو بيجليا مكتوبة بأكثر من أسلوب روائي، من بينها المراسلات والمذكرات والحكي بضمير المُتكلم، بالإضافة إلى كثير من الإشارات التاريخية أو التخيلية حول شخوص حقيقية مثل كافكا وهتلر واللقاء بينهما في براغ، وهو أمر مُتخيَّل. كما كان هناك حوار مكتوب بلغة الجاوتشوس أو رعاة البقر الأرجنتينيين أو حسب التعريف الموسوعي، المخلسين من آباء أوروبين وأمهات من السكان الأصليين. هذا الحوار مليء بالإشارات والإحالات، كما أنّه تحد سردي في حد ذاته، وكان يجب أن أجد لغة مناسبة لترجمته تختلف عن بقية مستويات اللغة في الكتاب. أما عن عاداتي الشخصية فهي الاستماع للموسيقى الكلاسيكية أو الموسيقى التصويريّة حتى أجد عملًا يوافق العمل الذي أترجمه في بنيته أو موضوعه. وعادة ما أجد هذا العمل. وبعد ذلك أستمع له مكررًا أثناء الترجمة.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
- لم أندم على أي عمل ترجمته، لأنني اخترته أو وافقت عليه، والترجمة هي مهنتي. وإن كنت قد فعلت هذا لمجرد العمل أحيانًا فأنا أدقق الآن في الاختيار أو في قبول الاقتراحات. لكنني لم أندم ولا أتنصّل من أي عمل قمت بترجمته.


■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟
- أتمنى أن تكون الترجمات دقيقة ووفية لأساليب المؤلفين ولغاتهم، وأن تتم إعادة ترجمة بعض الأعمال التي شوهها بعض المترجمين على شهرتهم أو مكانتهم الأكاديمية مثل سليمان العطار أو علي المنوفي اللذين كانا يحذفان أو يتجاهلان فقرات كاملة من بعض الأعمال التي ترجماها. ولا أعرف إن كان هذا سهوًا أو لصعوبة النص الأصلي بالنسبة لهما. وبشكل شخصي، أتمنى ترجمة دون كيخوته مرة أخرى بلغة معاصرة، على الرغم من جمال ودقة ترجمة عبد الرحمن بدوي. أتمنى ترجمتها بلغة حديثة سهلة، لأن العمل وقت كتابته ونشره كان عملًا مفارقًا وفارقًا في أسلوبه ولغته، كان سهلًا يمكنه الوصول لفئات متعدّدة من القراء في وقتها، لكنه يبدو لنا الآن عتيقًا. لهذا فإن الوفاء للغة هذا العمل يعني ترجمته بلغة عربية سهلة بسيطة. ولكي أشرح الفارق، فإن رواية "الهرطوقي" التي ترجمتها، هي رواية معاصرة حديثة، لكنها مكتوبة بلغة عتيقة لتنقل الشعور بالفترة الزمنية التي تتناولها، ولهذا قمت بترجمتها، بقدر الإمكان، بمفردات وصيغ لغوية عربية تعطي الإحساس أنها كتابة قديمة، لأنّ هذه هي نيّة الكاتب.


بطاقة
مُترجم مصري من مواليد 1975، مُقيم في إسبانيا. صدرت أولى ترجماته "المجنون" لميغيل ديليبس عام 1999. ترجم لبورخيس "حكايات" (2015) و"سيرة ذاتية" (2002) ولميغيل ديليبس "الهرطوقي" (2015)، ولروبرتو بولانيو "ليل تشيلي" (2013)، ولريكاردو بيجليا "الطريق إلى إيدا" (2015) و"تنفّس صناعي" (2018)، ولـ أنطونيو سكارميتا "رقصة النصر" (2019)، إضافة إلى ترجمة ملحمة الجاوتشو الأرجنتينية (2016) وأعمالٍ أُخرى.