مفكرة المترجم: مع محمد زرنين

04 يوليو 2018
الصورة
(محمد زرنين)

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم.


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟
- حكايتي مع الترجمة هي نفسها حكايتي مع القراءة والدراسة من حيث هي مسار مزدوج باللغتين العربية والفرنسية. كانت دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية تستدعي الاطلاع على المصادر والمراجع باللغة الفرنسية حيث تتوفر المراجع ذات القيمة الأكاديمية، فاتخذت الدراسة منذ البدء صيغة الوضع بين لغتين: تقرأ بالفرنسية وتكتب وتحرر العروض والملخصات بالعربية التي كنت تمتحن بها.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
- آخر ترجمة نشرت هي كتاب: "القانون بين القبيلة والأمة والدولة: جدلية التشريع بين العرف والشريعة والقانون"، لنجيب بودربالة، أحد رواد سوسيولوجية القانون لما بعد استقلال المغرب. نشرت العمل دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2016. أشتغل حاليا على المراجعة النهائية لنصين ترجمتهما من الفرنسية إلى العربية. العمل الأول هو تتمة للكتاب الأول لنفس الكاتب ويخص "العالم القروي موضوعا للمعرفة والسلطة: السياسة، الهندسة والتنمية". وهو عبارة عن دراسات وأبحاث جمعتها وترجمتها وأعددتها للنشر، تمثل جزءا من تاريخ العلوم الاجتماعية بالمغرب. العمل الثاني هو كتاب للفيلسوف الفرنسي ميشيل سير (Michel Serres) "الوسخ: التلويث من أجل التملك".


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟
- أبرز عقبة يواجهها المترجم هي انعدام الوعي لدى أصحاب القرار برهانات الترجمة سواء في مجال الإنسانيات أو في مجال العلوم، علما بأن هذه الرهانات تبقى تدخل ضمن الشروط الثقافية والفكرية لإمكانية الإنتاج والتجديد في المجالين. وهو الأمر الذي يعكسه التخبط في تصور دور الترجمة ضمن شروط النهضة الثقافية العامة، والعلمية بشكل أخص.


■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
- عادة أقوم بالعمل لوحدي، وأحاول ما أمكن أن أتقنه، وعند الانتهاء أقترحه للقراءة المتأنية والمراجعة على من لي ثقة في تكوينهم ونزاهتهم الفكرية، بعد ذلك تأتي مرحلة المناقشة معهم بخصوص مجموع ملاحظاتهم واقتراحاتهم وتحفظاتهم. وهي ملاحظات واقتراحات وتحفظات تقبل أو ترفض أو تكون موضوع تحفظ بناء على اختيار نظري أو منهجي.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
- القاعدة هي التعاون والاجتهاد. للناشر خبرة واسعة بالسوق وبسحر العرض من خلال فن أو فنون اختيار العنوان بما يحمله من مادة وآفاق. وهي خبرة لا يمكن إلا الاستفادة منها بفهم منطقها والبحث عن منطقة تلاقٍ بين خبرة هذا الفن وحرص المترجم على ألا يخون اختياراته الفكرية والبحثية.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
- لنقل إن ما يحكم اختياراتي بالدرجة الأولى للأعمال التي أترجمها هو الاعتبارات الفكرية والثقافية ذات البعد التنويري والتأسيسي. وإذا ما كانت هناك اعتبارات سياسية، فإنها تنبع من الأولى أي الاعتبارات الفكرية والثقافية. أما بخصوص الطرح السياسي الضمني أو الصريح للمادة المترجمة، فإني أنتبه إليه وأفحصه جيدا حتى لا تكون ترجمتي خادمة لاختيار سياسي معين.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
- هي علاقة فكرية بالأساس، ذلك أن الترجمة عندي ترتبط بقضايا أبحث فيها وبتساؤلات أحاول الإجابة عنها. فلقائي بالكاتب الذي أترجم له هو لقاء داخل مجال تخصصي وفي علاقة بإشكال أعالجه، تكون الترجمة أحد الروافد التي تغنيه وتغذيه.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتبا، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
- أعتقد أن عناصر الإجابة عن هذا السؤال تتوفر في جوابي عن السؤال السابق. إذ أني أترجم انطلاقا من رؤية محددة تعكس اهتماماتي الفكرية والبحثية. لهذا فالمترجم لا ينفصل عندي عن الباحث. ذلك أن ترجماتي تندمج في مشروع فكري وبحثي.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
- أنظر إلى الجوائز باعتبارها تشجيعا وتقديرا واعترافا متى كانت نزيهة وخارج الحسابات والمصالح الظاهرة والخفية لأعضاء اللجان والمجموعات المحيطة بها عن قرب أو عن بعد.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
- كما قلت سابقا، تبقى الآلية المؤسساتية أساسية واستراتيجية إن هي استطاعت العمل وفق مبدأ الشمولية في تغطية مجالات الإنسانيات والعلوم الرياضية والتجريبية والفنون والآداب، وضمنت الاستمرارية في الإنتاج. وتؤدي دورها على أحسن وجه إن وضعت برامج عمل مرتبطة بمشاريع النهضة الفعلية واستيعاب منطق العلوم والثقافة الكونية، وجعلت المكتبة العربية في مستوى هذا التراث الإنساني.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
- عادة أترك لنفسي الوقت الكافي لألج عالم أو عوالم النص. في المرحلة الأولى أقرأ النص لأتعرف على بنائه ووتائر نموه في تفاعل مع ما يستدعيه من مرجعيات وما أستدعيه أنا أيضا من مرجعيات خارج مرجعياته. فأحدّد خرائطيته. بعد ذلك أقرأ النص في ذاته من أجل ذاته لأخرج منه عبر حدوده. أشتغل فيما بعد على المفاهيم والمصطلحات، لأبدأ في الترجمة التي تكون أحيانا حرفية، وتتحول فيما بعد إلى سياقية. في عملي أطلب الوفاء ما أمكن لحرف النص وروحه.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
- لم أندم قط على أي ترجمة قمت بها. كل ما ترجمته إلى حدود الآن كان اختيارا مفكرا فيه، يستجيب لمطلب معرفي وثقافي حيوي، إما داخل مجال التخصص أو داخل مجال التداول الثقافي العام. أحببت كل ما ترجمته.


■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟
- أتمنى أن تنجح الترجمة إلى اللغة العربية في جعل الروائع التي أنتجتها وتنتجها البشرية بلغاتها في الفنون والآداب والعلوم والإنسانيات تتكلم العربية. إنها أمنية صعبة ولكنها ليست مستحيلة بالنسبة لأمة ذات حضارة عريقة وإسهام نوعي في تاريخ البشرية. أما حلمي الخاص كمترجم، فهو أن تسهم الترجمة في فك الانغلاق الفكري وتطوير مناهج البحث والاستقصاء من خلال التعلّم من الغير والاستفادة منه وإغناء الهوية اللغوية للنحن الجماعي بآخريته المتعددة من خارجه، مع بناء المسافة النقدية اللازمة للمساهمة في البناء الجماعي للمستقبل البشري المحتمل.


بطاقة
ولد محمد زرنين في سلا بالمغرب عام 1960. أستاذ باحث في علم الاجتماع والتربية، ومترجم في هذين المجالين. من بين منشوراته في مجال الترجمة: "القانون بين القبيلة والدولة والأمة، جدلية التشريع: العرف، الشريعة والقانون" لنجيب بودربالة وتقديم عبد الله حمودي (الصورة، 2016). وكتاب عبد الله حمودي "الرهان الثقافي وهم القطيعة: تجربة المسافة في مقاربة الزمن والتغير" (2011، ترجمة وتقديم).

تعليق: