مفكرة المترجم: مع أسامة منزلجي

26 اغسطس 2018
الصورة
(أسامة منزلجي)

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟
بدأ الأمر بحبّ القراءة والأدب، ومن ثمَّ نشَأَت الرغبة في ترجمة ما لم أجده في المكتبات. بدأتُ بالترجمة وأنا لا أعلم إنْ كان ما فعلته هو ترجمة. لذلك، لم أنشر القصّة القصيرة الأولى "حديقة كيو" لـ فيرجينيا وولف وبقيَت في درجي إلى أنْ اهترأَت!


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتَها، وماذا تترجم الآن؟
قريباً جدّاً، سيصدر لي عن "دار المدى" العراقيّة كتب: "الثقافة وموت الإله" لـ تيري إيغلتن، و"الخوف من الخمسين" و"الخوف من الموت" لـ إريكا يونغ، و"إنسان عاديّ" لـ فيليب روث. وقبل أيّام، صدرت رواية "رودريك هدْسن" لـ هنري جيمس عن "دار فواصل"... قريباً، سأبدأ بترجمة رواية "تزوّجتُ شيوعيّاً" لـ فيليب روث، وكتاب "تضحية راديكاليّة" لـ تيري إيغلتن.


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟
في اعتقادي أنَّ أبرز العقبات التي تُواجِه الترجمة صدورُ ترجمات ليست ذات مستوى جيد، واستسهال بعض المترجمين للترجمة والنتيجة ترجمات رديئة المستوى. أخيراً، فإنَّ الترجمة هي عملٌ وتكريس وتفانٍ، وينبغي على المترجِم أن يكون على مستوى هذه المسؤوليّة الثقيلة، ثم إنَّ الترجمة عملٌ غير مُجزٍ على الإطلاق، والمترجِم لا ينال حقّه المادي اللائق بمستوى جهده المتفاني.


■ هناك قولٌ بأن المترجِم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمّة من يُحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
يجب أنْ أعترف بأنني شديد الحذر من عمل المُحرِّر، لأنَّ عمل المُحرِّر هو أنْ يُراجع النص لغوياً، وأنْ يُبيِّن الأخطاء النحويّة والإملائيّة. لكنَّ بعض المحرّرين يتجاوزون ذلك إلى التدخُّل في تركيب الجمل بحجّة أنَّ ذلك أصحّ بالنسبة إلى اللغة العربيّة. وما لا يعلمه المُحرِّر، أحياناً، هو أنَّ لكلّ كاتب أجنبي أسلوبه ونبرة صوته الأدبي الخاص، فإذا غيّرنا في تركيب جُمله الأدبيّة، قد يعمل ذلك على محو سِمة أساسيّة تُميِّز خصوصيّة أسلوب ذلك الكاتب. ولكي يكون المُحرّر على مستوى جيّد، يجب أنْ يُحسن اللغة الأصليّة واللغة العربيّة، فيكون تدخّله صحيحاً ومُبرَّراً.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجَمة؟
بالنسبة إلى "دار المدى"، التي أتعاون معها منذ سنين طويلة، هناك تعاونٌ جيّد بيننا ونتبادل اقتراحات العناوين من أجل نشر الأفضل.


■ هل هناك اعتباراتٌ سياسية لاختيارك الأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقّف عند الطرح السياسي للمادّة المترجَمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
ليست لديّ ثقة في الطروحات السياسيّة في الأعمال، لأنَّ السياسات تتغيَّر بسرعة كبيرة، ثمّ إن الفكر السياسي لم يعُد له وجود. كان ذلك في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي واندثر الآن، بالنسبة إليّ، ثقتي أضعها في الأدب وفي الفكر الأدبيّ والحضاريّ.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تُترجِم له؟
لكي أُترجم لكاتبٍ ما يجب أنْ أحبّ ما يكتب وأحبّ تعامله مع الأدب كرسالة وهدف حضاري لتنوير الإنسان.


■ كثيراً ما يكون المترجِم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجِم في داخلك؟
أنا مُترجِم وأحبّ أنْ أنقل أفكار ورؤى وتطلّعات الكتّاب الأجانب إلى لغتي. لست كاتباً، ولم أحاول أنْ أكتب شيئاً، لأنَّ الكتابة تستلزم، في اعتقادي، الحريّة الكاملة في التعبير وإبداء الرأي وعرض كل مشاكل الإنسان العربي من دون حواجز عقائديّة أو فكرية أو دينيّة، وهذا غير متوفّر في وطننا العربي. في الوطن العربي مطلوب منك أنْ تكون مُنافقاً ومُداهنا وكذّاباً، وهذا ليس من اختصاصي.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
لا أتابعها ولا تهمّني.. الأمر الأهمّ هو نشر حبّ القراءة واحترامها من أجل بناء الإنسان والارتقاء به.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجِمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسّساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
أعتقد أنَّ الترجمة في أساسها جهد فرديّ، أي إبداعيّ، والمترجِم يتفاعل فردياً مع الكتاب الذي يُترجمه. لذلك، لا أعتقد أنَّ "توظيف" جهد الترجمة جماعياً مُثمِر، إلّا إذا كان الهدف هو الحصول على ترجمات آليّة لكتب تُحدّدها جهات رسميّة لأغراض أيديولوجيّة معيَّنة.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معيَّنة في الترجمة؟
الترجمة تتطلَّب التكريس، وهي عمل أساسه المُثابرة وتوطين النفس على الانغماس في عالمٍ كامل ومحاولة العيش فيه وإعادة خلقه بأكبر قدر من الحساسيّة والصدق... أُترجم في كل يوم وفي كل أسبوع وفي كل شهر وعلى مدار العام.


■ كتاب أو نصّ ندمت على ترجمته ولماذا؟
كنتُ في وقتٍ من الأوقات قد ترجمتُ رواية جورج أورويل "1984". وهذه الرواية سبّبت لي بأجوائها الكابوسيّة والسوداويّة رهاباً من الأماكن المُغلقة وصارت تنتابني كوابيس في الليل. وطوال فترة ترجمتي لها، التي شعرتُ كأنها دامت دهراً، كنتُ أقول لنفسي ليتَني لم أُترجمها. ولأنني لا أحب أنْ أتخلّى عن كتاب أُترجمه، تابعتُ الترجمة، ولحُسن الحظ ضاع نص الترجمة الذي كنتُ قد بذلت فيه جهداً هائلاً.


■ ما الذي تتمنّاه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجِم؟
أتمنّى أنْ يُترجَم أكبر عدد من الكتب في الوطن العربي، وأنْ نُتابع الأعمال الأجنبيّة الجديدة التي تصدر، ليس فقط كل عام، بل ّكل شهر، وأنْ تُصبح الكتب تحت أنف كل عربي لينهمك بالقراءة، وأنْ تُزال الحدود والحواجز الفكرية والأخلاقيّة التي تمنع تحقيق هذا الحلم.


بطاقة
وُلد أسامة منزلجي (الصورة) في اللاذقية عام 1948، وفيها أتمّ دراسته الثانوية، ثم انتقل إلى دمشق؛ حيث التحق بقسم اللغة الإنكليزية وآدابها، ونال شهادة الليسانس عام 1975. من بين ترجماته: "ربيع أسود" و"مدار الجدي" لـ هنري ميللر، و"الإغواء الأخير للمسيح" لـ نيكوس كازانتزاكيس، و"أهالي دبلن" لـ جيمس جويس، و"واينسبرغ، أوهايو" لـ شيرود أندرسن، و"تشريح الدراما" لـ مارتن إسلن، و"مذكّرات تنيسي وليامز".


دلالات

تعليق: