مفاوضات واختبار نوايا للسيسي: المانحون بانتظار لائحة العمل الأهلي

23 اغسطس 2019
الصورة
تعتري الجهات الغربية شكوك في نوايا السيسي(خالد دسوقي/فرانس برس)
جاء إصدار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أول من أمس الأربعاء، قانون العمل الأهلي الجديد، لتبدأ الحكومة المصرية "ماراثوناً" جديداً من المفاوضات مع الجهات المانحة والحكومات الغربية، تهدف إلى مطالبتها بالعودة لإرسال مساعداتها ودعمها المالي لمصر، بهدف تمويل الأنشطة التنموية والثقافية والصحية والدراسية، بعد توقفها بصورةٍ شبه كاملة منذ صدور القانون الملغى رقم 70 لسنة 2017.

وأصدر السيسي القانون الجديد مباشرةً بعد إلغاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المؤتمر الذي كان مقرراً عقده في مصر يومي 4 و5 سبتمبر/أيلول المقبل حول مكافحة التعذيب، إثر انتقادات وجهتها منظمات حقوقية للمكان الذي اختارته المنظمة لعقده، وانتقادات دولية لسجل مصر في التعذيب الممنهج. وكانت "العربي الجديد" قد نقلت عن مصادر دبلوماسية أن السيسي كان يرجئ إصدار القانون، الذي أقره مجلس النواب بسرعة فائقة نهاية الدورة البرلمانية الماضية، لأسباب عدة، من بينها عدم استباق هذا المؤتمر بالذات بأي إجراءات تمنع عقده في مصر، أو تحوله بعد انعقاده لساحة استهجان واسعة لإجراءات تعامل الدولة مع العمل الأهلي والحقوقي، رغم كل ما يحويه القانون من مستجدات تجعله أفضل، ولو ظاهرياً، من القانون السابق.


وبعد إلغاء المؤتمر، سارع السيسي إلى إصدار القانون للإسراع في الدخول في مفاوضات حتمية مع الجهات المانحة والسفارات الكبرى لدول غرب أوروبا واسكندنافيا والولايات المتحدة في المقام الأول، لبحث سبل إعادة تمويل الجمعيات والمؤسسات المصرية كما كان الوضع قبل العام 2017.

ويتيح القانون للحكومة، في مادته السابعة من مواد الإصدار، ستة أشهر لإصدار اللائحة التنفيذية، التي وضعت وزيرة التضامن غادة والي مشروعاً بها بالفعل، ما زال في انتظار موافقة الجهات السيادية والرقابية، وفوق ذلك موافقة الوزيرة السابقة فايزة أبو النجا، مستشارة السيسي لشؤون الأمن القومي، والتي شاركت بفاعلية في صياغة النص النهائي للقانون، بعد اعتراضها على بعض الأفكار التي كانت قائمة في مشروع الوزيرة السابق رفضه منذ عامين.

لكن مصادر دبلوماسية وحكومية ذات صلة بهذا الملف أكدت لـ"العربي الجديد"، أن والي - التي يشاع حالياً أنها من الوزراء المرشحين لمغادرة المنصب بعدما كانت من أقوى الوزراء في الحكومات المتعاقبة منذ 2014- تدفع بقوة لإصدار اللائحة التنفيذية خلال شهرين على الأكثر، وكذلك الأمر بالنسبة لوزارة الخارجية.

وسبب هذا الدفع هو أن الوزارتين اصطدمتا على مدار الشهرين الماضيين، خلال إجراءات إقرار القانون على عجل في مجلس النواب وبعدها، بتساؤلات ومطالبات غربية بشأن المواد التي وصفوها بغير الواضحة، والتي تتطلب توضيحاً في اللائحة التنفيذية، وأهم من ذلك تطبيقاً عملياً يضمن لتلك الجهات والسفارات أن الفكر الحكومي قد تغير في ما يتعلق بالتعامل مع ملف العمل الأهلي، كما تغيرت صياغة القانون.

وذكرت المصادر أن المؤسسات التمويلية تخشى استخدام القانون الجديد في تحديد أنماط بعينها للأنشطة محل التمويل، وإهمال الملفات الخاصة بالتحول الديمقراطي والمساعدة القانونية للسجناء والتثقيف والتعليم والتدريب، وذلك باستخدام الألفاظ المائعة وحمّالة الأوجه التي يزخر بها القانون الجديد وتثير شكوك الجهات الغربية في نوايا نظام السيسي، مثل "النظام العام، والأمن القومي، والآداب العامة" في ما يتعلق بضوابط عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ما يمنح الوزارة المعنية، والوحدة الجديدة التي ستنشأ بها لمتابعة عمل تلك المنظمات، مساحةً للتضييق والعقاب، وحتى التصفية.


وهناك خمس مواد في القانون الجديد تستخدم تلك التعبيرات كأمورٍ لا يجوز الإخلال بها لحماية الجمعية الأجنبية من الحل، حيث يشترط لإنشائها أن يكون لها نظام أساسي مكتوب يتفق مع نموذج تحدده اللائحة التنفيذية التي ستصدر للقانون، وموقع عليه من جميع المؤسسين. ويجب ألا يتضمن هذا النظام الأساسي أي مواد تنص على الإخلال بتلك المصطلحات الثلاثة، التي تزخر بها التشريعات المصرية، وتستخدم غالباً لتوسيع رقعة التجريم.

كما يحظر القانون على الجمعيات ممارسة أنشطة حزبية أو نقابية أو تكوين جمعيات سرّية أو سرايا، وهذا يعتبره الغربيون أمراً طبيعياً، لكن ليس من الطبيعي أن يعود المشروع ويحظر عليها "ممارسة أنشطة من شأنها الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي" دون توضيح المقصود بهذه المصطلحات، فهناك العديد من الفعاليات والأنشطة التي يمكن اعتبار أنها تهدد النظام العام من قبل سلطات أو أجهزة متطرفة في تقييد المجال العام، أو أنها مغالية في تطبيق القانون.

ويعيد القانون في موضعٍ آخر بمادة أخرى التأكيد على "حظر تمويل نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب، أو النقابات المهنية، أو العمالية أو ذي طابع سياسي أو ديني، أو يضر بالأمن القومي للبلاد، أو النظام العام، أو الآداب العامة، أو الصحة العامة، أو يحض على التمييز أو الكراهية أو إثارة الفتن"، ما يعبر بحسب تلك الجهات خلال مفاوضاتها مع المسؤولين المصريين عن "قلق الحكومة من تحركات المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ورغبتها في إحكام وثاقها وعدم فتح مساحات أمامها للعمل في المجالات السياسية والثقافية والحقوقية تحديداً، خاصة مع استخدام مصطلح "إثارة الفتن" الذي يمكن استغلاله لمنع أنشطة كثيرة في تلك المجالات المزعجة لنظام السيسي.

وفي مادة أخرى، يجيز القانون لوزير التضامن الاجتماعي أن يصدر قراراً بإيقاف النشاط أو إلغاء التصريح من الأساس، وذلك فقط لـ"أسباب تتعلق بتهديد الأمن القومي أو السلامة العامة أو الإخلال بالنظام العام"، ودون اللجوء إلى القضاء. وهنا تخشى الجهات الغربية الترصد بالمنظمات الأجنبية والمحلية المدعومة منها، فضلاً عن كون المادة تسمح بتدخلات إدارية مباشرة في أي وقت لوقف الأنشطة أو منع التمويل.

وترغب الجهات المانحة والسفارات باختبار جدية النظام في عدم الاستخدام السلبي لتلك الألفاظ والأحكام المطاطة من خلال اللائحة التنفيذية وما سيتبعها من تصرفات، إلى جانب مطالبتها بأن تتضمن اللائحة تعريفاً وتحديداً دقيقاً لمعاني تلك الألفاظ، بما لا يفتح باباً للتأويل غير المسؤول.

كما ترغب الجهات المانحة والسفارات - بحسب المصادر- باختبار عمل الوحدة الجديدة داخل وزارة التضامن، والتي تحمل اسم "الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي" التي ستخضع لإشرافها المنظمات الأجنبية، وستقوم أيضاً بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حالياً في وزارة التضامن، وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويات: المحلي والإقليمي والدولي.

كما ترغب الجهات المانحة بمعرفة ما إذا كان سيتم تحسين وتسهيل إجراءات إشهار الجمعيات كما يأتي في صياغة القانون من عدمه، علماً أن الإشهار لا يعلق في القانون الحالي على صدور اللائحة التنفيذية، ويكفي له صدور القانون الذي يتضمن جميع الشروط والأوراق المطلوبة.

وكانت "العربي الجديد" قد كشفت في يوليو/تموز 2017 أن بعض المنظمات الأميركية طلبت من الجمعيات المصرية المؤسسة وفق القانون، والتي تدعمها، إجراء تعديلٍ عاجل في سياساتها ونطاق عملها، بحيث يتم التركيز على الأنشطة التعليمية والتثقيفية والابتعاد عن القضايا السياسية الخلافية مع النظام خشية تعطيل أعمالها في مصر. كما طلبت منها الابتعاد عن التواصل مع جماعات الضغط السياسي من الأحزاب اليسارية والمنظمات الحقوقية غير المعترف بها من قبل الحكومة أو النشطاء المشمولين في تحقيقات قضية "التمويل الأجنبي" التي لا تزال جارية، لكن القسم الأكبر من الجمعيات فشل في توفيق الأوضاع بسبب عدم صدور اللائحة التنفيذية للقانون السابق الملغى من الأساس على مدار عامين وأكثر، ما عنى تجميده عملياً.

يذكر أن مصدراً حكومياً في وزارة التضامن سبق أن ذكر لـ"العربي الجديد" بالتزامن مع إجراءات إقرار البرلمان للقانون الجديد أن النسخة النهائية منه أثارت قلق جهات تمويل ومنح عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا، وأنه تم التأكيد عبر القنوات الدبلوماسية على أن تطبيق المادة 25 الخاصة بتنظيم تلقي التمويل "سيكون مرناً بشرط إطلاع وزارة التضامن بشكل مستمر على أوجه الإنفاق"، وأن الصيغة الأخيرة نتجت من مفاوضات مطولة بين وزارة التضامن والأجهزة السيادية. فالقانون السابق الذي كان معداً بواسطة جهاز الاستخبارات، كان يمنع تلقي الأموال من المنظمات الأجنبية غير الحكومية من الأساس، كما كان يضع عراقيل عديدة في سبيل تلقي الأموال، مثل وجوب موافقة الجهة الإدارية عليها قبل تلقيها بـ30 يوم عمل، وعدم جواز قبول أموال أكثر من 10 آلاف جنيه إلا بموجب شيك مصرفي أو إيداع عبر مصرف خاضع لرقابة المصرف المركزي، فضلاً عن إحالة العديد من التفاصيل إلى اللائحة التنفيذية.

 

 

دلالات

تعليق: