مفاوضات فيينا السورية: اختبار للجهود الروسية قبل سوتشي

مفاوضات فيينا السورية: اختبار للجهود الروسية قبل سوتشي

26 يناير 2018
الصورة
دي ميستورا:المحادثات تجري في "مرحلة حرجة جداً" (فرانس برس)
+ الخط -

يجهد المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، من أجل تحقيق اختراق في المفاوضات التي يرعاها بين وفدي المعارضة السورية والنظام في فيينا ضمن مسار محادثات جنيف، على الرغم من اعترافه بأن هذه المفاوضات تمر بمرحلة حرجة. واختار المبعوث الأممي سلة الدستور لتكون محور جولة المفاوضات الجديدة، كونها السلة التي لا تشهد خلافات كبرى بين المعارضة والنظام من جهة، ولقطع الطريق أمام محاولات الروس فرض دستور كتبوه على السوريين في مؤتمر سوتشي المقرر نهاية الشهر الحالي، وهو ما سيكون بمثابة إطلاق "رصاصة الرحمة" على مساعي الأمم المتحدة في إيجاد حل من خلال مفاوضات جنيف وفق قرارات دولية تدعو إلى انتقال سياسي يرفضه النظام وحلفاؤه. أما مؤتمر سوتشي الذي تعقده روسيا في 29 و30 الحالي تحت عنوان "مؤتمر الحوار الوطني السوري"، والذي دعت إليه نحو 1600 شخصية سورية، فقد تعرض لضربة قبل انطلاقه مع إعلان المجموعات الكردية الأساسية، أمس، عدم مشاركتها فيه، فيما لم تكن المعارضة قد أعلنت موقفها منه بانتظار ما ستظهره مفاوضات فيينا، وما إذا كانت روسيا ستعمل على إقناع النظام بتقديم تعهّدات حول الحل.

وبدأت، أمس الخميس، جولة مفاوضات جديدة بين وفدي المعارضة والنظام في مقر الأمم المتحدة في فيينا، للتباحث حول "سلة الدستور"، وهي السلة الثالثة لما اصطلح على تسميته سلال المبعوث الأممي، وهي الحكم والانتخابات والدستور ومحاربة الإرهاب. وعقد دي ميستورا، أمس، لقاءين منفصلين مع وفدي النظام والمعارضة. واستبق المبعوث الأممي هذه المفاوضات بالقول، الأربعاء، إن محادثات السلام السورية تجري في "مرحلة حرجة جداً"، إلا أنه أشار إلى أنه "متفائل"، مضيفاً: "لأنه لا يسعني أن أكون غير ذلك في مثل هذه اللحظات". فيما أشار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، إلى إنه لا يوجد تصور لحل سياسي في سورية سوى محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة، والتي قال إنها "الأمل الأخير".

ويأمل المبعوث الأممي بإحداث اختراق في المفاوضات التي تراوح في مكانها، من خلال سلة الدستور، إذ يتفق وفدا المعارضة  والنظام على رفض مبدأ كتابة دستور للبلاد من خلال "الآخرين"، ولكن هناك تبايناً واسعاً في جوانب تتعلق بالمسألة الدستورية. وتطالب المعارضة السورية بإلغاء الدستور الذي وضعه النظام عام 2012 على أن يحكم المرحلة الانتقالية إعلان دستوري، أو العودة إلى دستور عام 1950، حتى تتم كتابة دستور من قبل جمعية تأسيسية منتخبة تجري على أساسه انتخابات من دون رئيس النظام بشار الأسد، تنقل البلاد إلى الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. فيما لا يزال النظام يرفض مبدأ تغيير دستور 2012، إذ زعم نائب وزير خارجية النظام فيصل المقداد، أخيراً، أن هذا الدستور "من أحدث الدساتير في العالم". ولكن النظام يطرح فكرة إجراء تعديلات على دستوره، ولكنه يرفض فكرة أن يتم ذلك في سياق انتقال سياسي، فيما تصر المعارضة على أن التفاوض حول سلال الدستور والانتخابات ومحاربة الإرهاب لا قيمة له من دون إنجاز انتقال سياسي يقوم على تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات وفق بيان جنيف1 والقرارين اللاحقين 2118، و2254. واللافت أن المبعوث الأممي خصص الجولة الجديدة من جنيف (المنعقدة في فيينا) لمناقشة القضايا الدستورية، فيما يبدو أنها محاولة لقطع الطريق أمام محاولات روسية لسحب البساط من تحت الأمم المتحدة على هذا الصعيد في مؤتمر سوتشي الذي من المفترض أن يخصص جانباً مهماً من فعالياته للدستور.

وسبق لوفد المعارضة أن قدّم في الجولة الماضية من جنيف رداً على ما سمي بـ"اللاورقة" التي طرحها دي ميستورا على وفدي المعارضة والنظام، والتي تمثّل مبادئ عامة أو ما أطلق عليه مسمى "فوق دستورية" ترسم شكل سورية المستقبل، ولخصتها المعارضة في 12 بنداً قالت حينها إنها ورقة حية قابلة دوماً للتجديد والتطوير.


في موازاة ذلك، لا تزال المعارضة تتريث في إعلان موقف نهائي من مسألة المشاركة أو مقاطعة مؤتمر سوتشي. إلا أن مصدراً في الهيئة العليا للتفاوض أكد لـ"العربي الجديد"، أن "الجو العام في الهيئة ضد الذهاب إلى سوتشي". وكان رئيس وفد الهيئة العليا نصر الحريري، قد قال، الأربعاء، خلال مؤتمر صحافي في فيينا: "سنعلن قريباً عما إذا كنا سنذهب إلى هناك أم لا. لم نتخذ قراراً بعد، لأننا لا نملك معلومات واضحة حول هذا الموضوع". وأشار الحريري إلى أن اليومين المقبلين "سيمثلان اختباراً حقيقياً لكل الأطراف لإثبات الالتزام بالحل السياسي بدلاً من العسكري". وذكرت مصادر مطلعة أن تبايناً في الرأي داخل مكوّنات هيئة التفاوض يحول دون اتخاذ موقف من مؤتمر سوتشي، إذ لا يزال الائتلاف الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية والفصائل العسكرية ضد المشاركة، فيما تدفع "منصة موسكو" ومستقلون باتجاه المشاركة، أما موقف "منصة القاهرة" فمعلّق بين الرفض والقبول. وأكدت مصادر في هيئة التفاوض أن موقف الأخيرة "لن يتأخر لحسم هذا الأمر الذي طال الجدال فيه". ويبدو أن الهيئة تتنظر ضغطاً روسياً أكبر على وفد النظام في جولة فيينا كي ينخرط في تفاوض جدي وفق قرارات الشرعية الدولية، من أجل الموافقة على المشاركة في مؤتمر سوتشي.

وفي هذا السياق، اعتبر مصدر دبلوماسي غربي، في تصريح لوكالة "فرانس برس"، أن "الاجتماع في فيينا هو الوقت المناسب لاختبار قدرة الروس على إقناع النظام بالالتزام بتعهداته". وأوضح المصدر "لقد حان الوقت كي تأخذ روسيا زمام الأمور إن كانت تريد إنقاذ مؤتمر سوتشي من مقاطعة المعارضة له". وأضاف "لقد صرحت روسيا بأن الحكومة السورية وافقت على التزامها بتنفيذ القرار 2254، لكننا لم نسمع قط أن النظام صرح عن ذلك بنفسه"، مشيراً إلى أن "هذا ما تنتظره المعارضة". ولفت إلى "أننا ننتظر شيئاً أكثر جوهرية، لا شيء يدعو المعارضة للذهاب إلى سوتشي ما لم تحصل روسيا على التزامات من دمشق"، لافتاً إلى أن "الروس لا يفتقدون إلى الحيلة".

من جهته، أوضح المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض، يحيى العريضي، لوكالة "فرانس برس"، أن "هناك استحقاقاً تسعى موسكو إلى القيام به ولا أعتقد إطلاقاً أن سوتشي يمكن أن يصادر جنيف إذا كان هناك بحث حقيقي عن حل في سورية". وأشار إلى أن "الأمم المتحدة تريد أن يكون مسار جنيف المسار الأساسي لإيجاد حل. وبحسب كلام الروس، فإن أي أمر إيجابي يصدر من سوتشي يجب أن يصب في جنيف من أجل إيجاد الحل، وإلا سيكون مفرغاً من مضمونه". وأوضح العريضي أن مؤتمر "سوتشي يتناول نقطة واحدة تتعلق بالدستور، في حين أن القرار الدولي 2254 لا يتحدث عن الدستور فقط، بل يتحدث عن إيجاد بيئة آمنة وموضوعية ومناسبة لإجراء انتخابات، ولا يكون ذلك إلا بإيجاد جسم سياسي يشرف على هذه الأمور برعاية الأمم المتحدة".

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الروسية عن توجيه دعوات إلى نحو 1600 سوري لحضور مؤتمر سوتشي في 29 و30 الحالي. وأكدت المتحدثة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا، أمس الخميس، في إيجاز صحافي، أنه من المقرر أن يشارك في أعمال المؤتمر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
وجاء ذلك فيما قال مسؤول كردي، أمس، إن الجماعات الكردية الرئيسية السورية لن تشارك في مؤتمر سوتشي، وإنه لا يمكن مناقشة حل للحرب في ظل استمرار العملية التركية في منطقة عفرين. وأوضح بدران جيا كورد، المستشار في الإدارة التي تدير مناطق الحكم الذاتي الكردية شمال سورية، أن الإدارة لم تتلق دعوة رسمية إلى مؤتمر سوتشي منذ تأكيد تنظيمه.

المساهمون