مفاوضات الدوحة: السلام الأفغاني ممكن

الدوحة
أنور الخطيب
13 سبتمبر 2020
+ الخط -

في ما يشكلّ فرصة للسلام، انطلقت أمس السبت، في العاصمة القطرية الدوحة، المفاوضات الأفغانية - الأفغانية المباشرة بين الحكومة وحركة "طالبان"، وسط حضور وترحيب دولي لافت. هذه المفاوضات التي تعدّ جزءاً من اتفاق السلام الموقع قبل أشهر بين "طالبان" وواشنطن قد يكون مسارها طويلاً ومعقداً، واتسم كما كان متوقعاً، ومنذ اليوم الأول، بتباين واضح في الرؤية حول شكل الدولة، والموقف من وقف إطلاق النار، بين الطرفين المتحاورين، من دون أن يلغي ذلك التفاؤل بإمكانية توصل هذا البلد إلى السلام، إذا ما كانت هنالك مشيئة داخلية قوية لذلك، بعد أكثر من 19 عاماً على غزو القوات الدولية بقيادة أميركية للبلاد. هذا الغزو الذي أطاح الحركة من الحكم، وأجج الصراع العسكري المستمر في أفغانستان حتى اليوم، ذهب ضحيته أكثر من مائة ألف أفغاني، وأكثر من 2500 جندي أميركي، أعاد اليوم "طالبان" قوة أساسية محاورة على طاولة المفاوضات، لكنه يجعل حتمية تقديم التنازلات ضرورية، لإنجاح السلام. وفي خضم عملية التفاوض الشاق، ستكون الأطراف المشاركة أمام ملفات خلافية عدة، بدءاً بوقف النار، ونظام الحكم، ومشاركة الحكومة الأفغانية الحالية فيه، مروراً بهوية أفغانستان "الجديدة"، ووصولاً إلى مسألة حقوق الإنسان، ولا سيما النساء. إلا أن إبداء الطرفين رغبتهما الشديدة في إنجاح المفاوضات، وكذلك الاقتناع الدولي بأن المحادثات والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الصراع، عوامل تجعل الآمال كبيرة في التوصل إلى اتفاق لوقف النار أولاً، يفتح المجال أمام سلام حقيقي تنتظره جميع أطياف الشعب الأفغاني.

ستكون الأطراف أمام ملفات خلافية عدة، بدءاً بوقف النار، ونظام الحكم، مروراً بهوية أفغانستان، وصولاً إلى مسألة حقوق النساء

وتأتي المرحلة الثانية من مشروع السلام الأفغاني بعد أشهر من التوقيع على اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة والحركة في 29 فبراير/ شباط الماضي، والذي التزمت واشنطن بموجبه بسحب قواتها من أفغانستان، ضمن مهلة زمنية محددة، وبشكل تدريجي، شرط أن توقف الحركة هجماتها وتخفض وتيرة العنف، وتلتزم بعدم إيواء الجماعات الإرهابية التي تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها.
وافتتح المحادثات الأفغانية – الأفغانية وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مؤكداً أهمية الحوار، وذلك بحضور وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، وطيف أممي ودولي واسع، عسكري وسياسي، على رأسه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.

وفي أول لقاء مباشر بين الحكومة و"طالبان"، اتفق المشاركون على "تاريخية اللحظة والمناسبة"، إذ إنها المرة الأولى التي تجلس فيها الحركة مع حكومة كابول على طاولة واحدة، منذ نحو 20 عاماً. وعلى الرغم من التباين في المواقف الذي ظهر جلياً، في كلمتي رئيس مجلس المصالحة الأفغانية عبد الله عبد الله، ورئيس المكتب السياسي لـ"طالبان" الملا عبد الغني برادر، انتهى اللقاء العلني الأول بالاتفاق على البدء اليوم الأحد بالاتفاق بين الطرفين على إطار المفاوضات، وأجندتها.
وفي كلمته، قال عبد الله إن الشعب الأفغاني "يأمل في نجاح مفاوضات السلام، وإنهاء الحرب، وإقامة نظام دستوري يحقق الاستقرار في البلاد"، مؤكداً أن "الصراع الحالي لا منتصر فيه". وقال إنه "سيتذكر هذا اليوم بوصفه نهاية لمعاناة شعبه"، شاكراً حركة "طالبان" على "استجابتها للمفاوضات". من جهته، ردّ الملا برادر، مخاطباً وفد الحكومة الأفغانية بـ"الطرف الآخر"، قائلاً "إنهم يريدون تحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان، لكن يجب الأخذ في الاعتبار مصالح كل أطياف الشعب الأفغاني، وأنه لا بد أن تكون أفغانستان دولة مستقلة". وقال برادر "لقد تصرفنا على أساس اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، ونريد أن يمضي الطرف الآخر على أساس هذا الاتفاق من أجل التوصل إلى سلام". وتوقع أن تواجه عملية التفاوض مشاكل، لكنه استدرك بقوله إن "رغبتنا هي أن تتقدم هذه العملية بالصبر". وطمأن برادر الأفغان إلى أنهم سيديرون المفاوضات بإخلاص. وأضاف أنه "يجب أن يكون لأفغانستان نظام حكم إسلامي يرى فيه جميع الأفغان أنفسهم ممثلين ويعيشون معاً بطريقة أخوية".

من جهته، قال وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن بلاده "تفتخر باحتضان مفاوضات السلام الأفغانية التاريخية"، منبهاً إلى أن "التاريخ أنبأنا بأن القوة العسكرية لا يمكن أن تحسم أي صراع في أفغانستان". وشدد على أن السبيل الوحيد للسلام في أفغانستان "هو الوقف الفوري والدائم لإطلاق النار، والحوار البناء من خلال طاولة المفاوضات وعلى قاعدة لا غالب ولا مغلوب". وأكد أنه "يتعين اليوم تجاوز الماضي وآلامه، والتركيز على المستقبل وآماله، مع عدم إغفال العبرة من الماضي"، داعياً إلى "تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لاغتنام هذه الفرصة التاريخية لإنجاح المفاوضات وتحقيق السلام".

وتحدّث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، واصفاً هذا اليوم بـ"التاريخي"، ومرحّباً بالتزام "طالبان" بعدم استضافة جماعات إرهابية على الأراضي الأفغانية. وقال إن الشعب الأفغاني لديه فرصة تاريخية لبدء مسار جديد للبلاد، مؤكداً دعم بلاده لـ"أفغانستان موحدة وذات سيادة، وفي سلام داخلي مع جيرانها". وأشار إلى أن الخيار الأمثل في أفغانستان هو "تداول السلطة"، لكنه أضاف أن واشنطن "لا تسعى لفرض نظامها على أحد". وقال بومبيو "سنواجه بلا شك العديد من التحديات في المحادثات خلال الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة"، مذكراً المتفاوضين بأنهم "يعملون ليس فقط من أجل هذا الجيل من الأفغان، بل من أجل الأجيال المقبلة أيضاً".
وفي تصريحات لـ"العربي الجديد"، قال عضو وفد التفاوض لـ"طالبان"، مولوي عبد السلام حنفي، إن "التفاوض جُعل لكسر التباين، وإلى الآن نحن نتقاتل في ما بيننا، وسنتفاوض معهم على هدنة"، مؤكداً أن الطرفين "سيجلسان للحوار لترتيب أولويات التفاوض". وحول مطلب وقف النار من جانب الوفد الحكومي، قال حنفي إنه "ضمن أجندة المفاوضات، وكذلك شكل النظام السياسي في البلاد"، مضيفاً أنه "لا يمكن تحديد مدة زمنية للتوصل إلى اتفاق".
من جهته، قال رئيس الوفد الحكومي للمفاوضات، والذي يمثل مختلف أطياف الشعب الأفغاني، معصوم ستانكزاي، في تصريح صحافي: "نبدأ المفاوضات بروح الأمل، لكن لا يمكن مواصلة الحرب والتفاوض معاً، وبالتالي لا بدّ من الحديث حول وقف النار لمواصلة التفاوض". ورأى عضو الوفد الحكومي نادر نادري أنّ "لا تباين بين الإسلام والديمقراطية، وندعو إلى الإصغاء إلى إرادة الشعب وتعزيز الحريات".

متحدث باسم وفد "طالبان" للمفاوضات:  لا بديل عن نظام يستند إلى القيم الإسلامية

وكانت الحكومة الأفغانية قد وضعت شرطاً أساسياً مع إعلانها توجه مفاوضيها إلى الدوحة، بأن "لا مساومة على النظام الديمقراطي واحترام إرادة الشعب"، فيما ترفض "طالبان" الاعتراف بهذه الحكومة، أو بشرعيتها. وقال المتحدث باسم وفد "طالبان" للمفاوضات محمد نعيم، لـ"العربي الجديد"، إنه "لا يمكن التفريط بالتضحيات التي بُذلت طوال 20 عاماً، لا بديل عن نظام يستند إلى القيم الإسلامية".
وأكد زلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي لأفغانستان، أن الجدول الزمني لمغادرة القوات الأجنبية من هذا البلد بحلول أيار/مايو المقبل لا يزال على المسار الصحيح، وأن وقف النار الشامل يجب أن يحدث قبل ذلك. وحذر من أن واشنطن لن تضمن قيام دولة أفغانية لا تتماشى مع "القيم العالمية"، بما فيها حقوق المرأة، مضيفاً "لا يوجد شيك على بياض". ورأى أن "هناك الكثير من عدم الثقة" بين وفدي التفاوض.
وأعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، أن الحلف يعيد تموضع قواته في أفغانستان لدعم عملية السلام، فيما شدد وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو على أن المفاوضات فرصة حقيقية للسلام، آملاً عدم تفويتها.

ذات صلة

الصورة

سياسة

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، اليوم الاثنين، إلى محاسبة مرتكبي هجوم استهدف مقراً شرطياً في أفغانستان.
الصورة
متنزه الخور... وجهة للعائلات في قطر رغم كورونا

مجتمع

على بعد نحو 50 كيلومتراً إلى الشمال من العاصمة القطرية الدوحة، يقع متنزه الخور، الذي افتتح عام 1983، بمساحة 240 ألف متر مربع، ويشكل ملاذاً للعائلات بالرغم من خطر كورونا
الصورة
الحلوى القطرية ما زالت متمسكة بروحها التقليدية- تصوير معتصم الناصر

منوعات وميديا

رغم تعدد الحلويات بأشكالها وأصنافها الشرقية والغربية، ما زالت الحلوى التقليدية في قطر مرغوبة، ما جعل هذه الصناعة صامدة وبمعدات لم تصل إليها التكنولوجيا بعد.
الصورة
صقور الدوحة1 رئيسية- معتصم الناصر

مجتمع

مع ظهور نجم سهيل في سماء قطر والخليج، يبدأ الصقارون الاستعداد لموسم المقناص، الذي يأتي هذا العام استثنائياً، نتيجة الأجواء غير الاعتيادية التي فرضت لمواجهة كورونا