مع طفلك... حدد "هدفك" قبل "رد فعلك"

11 يونيو 2017
الصورة
علينا التركيز على الأهداف بعيدة المدى أثناء التربية (Getty)




نواجه يومياً مع أطفالنا كثيراً من السلوكيات التي قد تكون غير مرغوبة، ونندفع في اتجاه رد فعل ربما يكون ضرره أكبر من نفعه، لذلك نود أن نلفت الانتباه إلى وقفة هامة يجب أن نقفها مع أنفسنا قبل أي رد فعل تجاه سلوكيات أبنائنا.

تلك الوقفة أشارت إليها الدكتورة جون دورانت، أستاذة العلوم الاجتماعية في جامعة مانيتوبا في كندا، وسنحاول من خلال هذا المقال توضيحها بالأمثلة اليومية. هذه الخطوة هي: "تذكر أهدافنا بعيدة المدى مع أطفالنا"، لأن الخطأ الذي نقع فيه دائما هو أن الأهداف قريبة المدى تحتل عقولنا وتشغلنا عن تلك بعيدة المدى.

لذلك نحتاج إلى أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا: ما هي أهدافنا بعيدة المدى مع أطفالنا؟ (كيف نريد أن نراهم بعد عشرين عاما؟)، ربما تكون هذه هي إجاباتنا:

نريد أن نراهم قادرين على ضبط أعصابهم والتعامل مع الضغوط بحكمة، قادرين على الإبداع في حل المشكلات، يمتلكون مهارات الذكاء الاجتماعي في التعامل معنا ومع الآخرين، يتمتعون بعلاقة دافئة معنا، يتذكرون الذكريات الجميلة التي صنعناها معا أثناء طفولتهم، يعطفون علينا دون ضجر في شيخوختنا، يتحملون المسؤولية، واثقين في أنفسهم، مبادرين....إلخ.

والآن فلنستعرض بعض الأمثلة ونتخيل: هل رد فعلنا الغاضب العنيف هو خطوة في تحقيق تلك الأهداف بعيدة المدى؟



المثال الأول: كنت في زيارة لأحد أقاربك وتسبب ابنك في كثير من الضوضاء والفوضى في المكان، وحاولت نصحه بهدوء، ولكنه تمادى فكان رد فعلك هو الضرب والشتم والتهديد، رد الفعل من هذا النوع ربما يحقق الأهداف قريبة المدى وهي: ستكون صورتك أمام أقاربك صورة الشخص القوي المهيمن على الموقف، سيرى أقاربك أنك الأم العظيمة التي لا تتهاون في تربية أبنائها، ربما يتوقف الابن عن التمادي في الفوضى خوفا من الإيذاء البدني أو النفسي، ولكن، إلى أي حد يؤدي هذا الفعل منك إلى تحقيق الأهداف بعيدة المدى؟

المثال الثاني: يتكاسل ابنك ويتباطأ كل يوم عن القيام بواجباته المدرسية، ويكون رد فعلك أثناء ساعات المذاكرة هو الصراخ والضرب والإهانة. رد فعلك قد يحقق الأهداف قريبة المدى: سينهي الطفل واجباته يوميا، سيحصل على درجة جيدة في الامتحان، سيتم تكريمه في طابور الصباح.. ولكن، إلى أي حد ستتحقق الأهداف بعيدة المدى؟

المثال الثالث: كان هناك مبلغ من المال في أحد الأدراج، وجدته ناقصا، ثم تأكدت أن ابنك هو من فعل ذلك،، فانهلت عليه ضربا ومعايرة بأنه خيب أملك فيه، رد الفعل من هذا النوع قد يحقق الهدف قريب المدى فيتوقف ابنك عن السرقة، لأن أمره قد افتضح ولأنه أصبح المشتبه الأول في حالة تكرار الحالة، ولكن هل ستتحقق الأهداف بعيدة المدى؟

أمثلة أخرى: ابنك يتبول لا إراديا ليلا، أو يتأخر في الاستعداد لحافلة المدرسة، أو يتصفح موقعا إباحيا، أو يكذب،... وكان رد فعلك هو الضرب أو العنف أو الإهانة... ربما يتحقق هدفك قريب المدى، ولكن ماذا عن الهدف بعيد المدى؟


إذا توقفنا مع أنفسنا للحظات، وتخيلنا كيف نريد أن نرى ابننا في شبابه سنكتشف أن رد الفعل

الغاضب العنيف المهين لا يحقق أبدا تلك الأهداف بعيدة المدى التي ذكرناها في الأعلى، بل قد يخلق إنسانا يتعامل مع العقبات بنفس العنف والعجز عن ضبط غضبه، يتعامل مع المشكلات بخشونة دون أي محاولة مبدعة هادئة  لعلاجها، غير قادر على توليد البدائل، مهاراته الاجتماعية ضعيفة فهو لم ير منك – عمليا – نفسا طويلا في الحوار والتفاوض ووضع الاختيارات، تواصله معك ضعيف غير قابل أن تكون له صديقا أو كاتما للأسرار، تطارده الذكريات السيئة معك والإهانات التي تسببت له بها سواء في المنزل أو أمام الآخرين، مهتز في ثقته بنفسه، غير ممتلئ بالإحساس بالجدارة والتحدي، وإنما هو أقرب لحيوان ترهبه العصا وترغبه الجزرة، ولا يتحرك من مكانه دون عصا أو جزرة!

عندما تستحضر الأهداف بعيدة المدى، وتخرج من أسر الأهداف قريبة المدى، وتتحرر من تأثير مشكلاتك وضغوطك الشخصية، ستكتشف أنك أنت من بحاجة لاكتساب مهارات جديدة للتعامل مع مثل هذا النوع من المواقف، أنت الذي في حاجة إلى ضبط النفس وتوليد البدائل والاختيارات التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة، ومهارات التواصل مع ابنك ومهارات التهذيب الإيجابي التي تناولناها أيضا، والتي تحتاج تدريبا عمليا لتكتسبها بالتدريج فتحقق أهدافك بعيدة المدى.

وأخيرا... عندما تريد أن تسافر من القاهرة إلى المغرب - على سبيل المثال – فأنت تعلم أن الرحلة ستستغرق بالتأكيد ساعات طويلة، ولا مشكلة في ذلك، ولكن المشكلة هي ألا تركب الطائرة من الأساس بسبب انشغالك في المطار في البحث عن هدايا حتى فاتتك الطائرة!

ركز دائما على الأهداف البعيدة والرحلة الطويلة. 

تعليق: