معضلة عبدالله الثاني

21 يونيو 2020
الصورة
يبدو أن ملك الأردن، عبدالله الثاني، يحاول الاحتفاظ بموقعه حليفاً مهماً للولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته حماية نفسه وبلاده من خطر تهديد ضمّ إسرائيل أراضي في الضفة الغربية، وخصوصاً منطقة الغور الفلسطينية، الأمر الذي قد يمثّل تناقضاً واضحاً في عهد إدارة أميركية تؤيد تصفية القضية الفلسطينية. ولا يعني ذلك أن خوف الملك من خطر الخطوات الإسرائيلية على استقرار النظام والأردن ليس حقيقياً، ولكن اعتماد النظام، على مكانة أو دور له في سياق استراتيجية الولايات المتحدة لتأمين الخيارات السياسية والعسكرية والأمنية للدولة ودعمها، إضافة إلى الارتباط بمعاهدة وادي عربة، يشلّ قدرة الأردن، نظاماً ودولة، على مواجهة غير مسبوقة مع كيانٍ لم تغيّر اتفاقية السلام معه من صفته عدواً، يزداد شراسة مع دخوله مرحلة جديدة ومتقدّمة من تحقيق المشروع الصهيوني. فإذا كانت رؤية النظام أن معاهدة وادي عربة مع إسرائيل، والتحالف مع أميركا، ضمانتان لاستقرار الأردن، نظاماً ودولة وشعباً، فإن هذه رؤية خالفتها وتخالفها، منذ قبل تأسيس الإمارة الهاشمية، قوى سياسية واسعة، رفضت توصيف الأردن كياناً وظيفياً يستمد أسس وجوده واستمراريته من أهمية موقعه في الاستراتيجية البريطانية قبل الاستقلال، أو الاستراتيجية الإقليمية الأميركية منذ خمسينيات القرن الماضي. كذلك فإن عشائر الأردن اتخذت، منذ مئة عام تحديداً، موقفاً واضحاً ضد المستوطنات الصهيونية، وأبدت وعياً متقدّماً بشأن شعب فلسطين وأرضها، وبلاد الشام والوطن العربي. ونرى الآن وعياً متجدّداً يتسع في صفوف الشعب الأردني بخطر إسرائيل ومخططاتها على وجود الأردن، ليس فقط من خطر تهجير الشعب الفلسطيني إلى الأردن، بل أيضاً من تحول الأردن ثكنةً أمنية لحراسة إسرائيل، ولقمع أيّ انتفاضةٍ من الشعب الأردني أو الفلسطيني ضد توسع الهيمنة الصهيونية. 
وإلى هذا، فإن ضمّ الاحتلال الإسرائيلي إليه معظم أراضي الضفة الغربية والأغوار، بعد ضمّ 
مدينة القدس، بما يعنيه من إلغاء صفة الاحتلال، أي شرعنة المشروع الصهيوني، يطيح مفهوم الأمن القومي للأردن، بكل أبعاده الاقتصادية والسيادية، ويجعل الأردن امتداداً لمفهوم الأمن الاستراتيجي الصهيوني. فضمّ الأغوار الفلسطينية بشكل خاص يجعل أراضي الأردن في الأغوار جزءاً من مناطق النفوذ الأمني الصهيوني، فلا يمكن تنفيذه من دون أن تطلب إسرائيل تعزيزات أمنية خاصة بها في الجانب الأردني من الأغوار. ولفعل الضمّ هذا أبعاد استراتيجية أخرى في المشروع الصهيوني، لا تقف عند حدود توسيع نفوذها الأمني والعسكري. ويشكل الغور، على جانبيه الأردني والفلسطيني، ثروة زراعية وغذائية، هي جزء من مفهوم الأمن الصهيوني. ففي الجانب الفلسطيني، تحتاج إسرائيل المياه الجوفية التي تمنعها عن الفلسطيني، وتحتكر الزراعة وتصدير منتجاتها، ولكنها لن تكتفي بذلك، فالمشاريع الاقتصادية التطبيعية مع الأردن تأخذ فعلياً مساحةً من الغور الأردني، وتحاصره وتساهم في تقويض القطاع الزراعي في الأردن. كذلك فإن خط أنبوب الغاز "الإسرائيلي" المنهوب من الفلسطينيين يمرّ في أراضٍ زراعية، وما بُني منه إلى الآن قسّم هذه الأراضي، ودمّر أجزاءً منها، ومشروع المنطقة الصناعية الحرّة، المسمّى بوابة الأردن، مبنيٌّ على أراضٍ خصبة في الغور، وسيُستثمَر جزء منه في تطوير الحبوب وتصديرها. والأخطر أن كل هذه المناطق ستكون متاحةً لحركة الإسرائيليين مستثمرين، إضافة إلى ما يتبع ذلك من شروط وجودٍ أمني إسرائيلي لحماية هذه المنشآت. أي إن هذه المشاريع تخدم فكرة اعتبار الأردن امتداداً للنفوذ الأمني الإسرائيلي، ولرؤية دولة الاحتلال لتطوير اقتصادها وتمدّده في المنطقة العربية، خصوصاً أن "بوابة الأردن" هي فعلياً بوابة تطبيع اقتصادية ومحطة إقلاع شاحنات تصل ميناء حيفا بموانئ وعواصم عربية، أي أن هذه المشاريع، إضافة إلى سكة الحديد، أسست البنية التحتية لتنفيذ ما تسمى صفقة القرن، بكل أبعادها الفلسطينية والعربية.
تتعامل إسرائيل مع الأردن تعاملها نفسه مع المستوطنات، أي إن أي موقع قدم لها في الأردن، تحت أي مسمى، يعطيها الحق، تحت مسمّى الشروط الأمنية، لحماية مصالحها، ليتحول هذا الحال إلى تمدد جغرافي، وجعله أمراً واقعاً. لذا، إن رفض الشق السياسي لصفقة القرن يأتي ناقصاً وضعيفاً، في ضوء استمرار تنفيذ هذه المشاريع التطبيعية التي قد تصبح بفعل الدعم الأميركي، في غضون الأزمة الاقتصادية، والخوف من انهيار الاقتصاد الأردني الذي ضربته تداعيات انتشار فيروس كوفيد – 19، قد تصبح هذه المشاريع التطبيعية، كما المستوطنات في فلسطين، فرصة عمل للأردنيين، مع كل ما يعنيه ذلك من تسهيل وتمكين للهيمنة الإسرائيلية الاقتصادية والسياسية على الأردن، وما يشكله من خطر على النظام والدولة والشعب.
عودة إلى معضلة الملك عبدالله الثاني، لا يمكن إبقاء هذه المشاريع وحماية النظام من المشروع 
الصهيوني معاً، لأنها جزء من هذا المشروع الذي يتطلب تقليصاً لدور النظام وحتى الدولة الأردنية إلى حارس له، ليس في فلسطين فحسب، بل أيضاً على الأراضي الأردنية، فإسرائيل ستشترط وجوداً أمنياً لحماية سكة الحديد التي ستصلها بالعواصم العربية، وكذا المنشآت التطبيعية وملحقاتها، فهل نتخيل خريطة الأردن، بما يعنيه ذلك من وجود وسيطرتين إسرائيليتين؟
الإصرار الرسمي الأردني على الحفاظ على هذه المشاريع، كأنه دليل حسن نية تجاه ما تسمى "عملية السلام" الميتة، يغرق الأردن في التبعية للمصالح الأميركية والإسرائيلية، ويكبّل الدولة والشعب في القدرة على مواجهة المشروع الصهيوني. ومن هنا نعود إلى معضلة الملك، إذ لا يمكن الحفاظ على دور له في استراتيجية أميركية، عمادها تمكين إسرائيل من تنفيذ المشروع الصهيوني، وفي الوقت نفسه، حماية الأردن أو النظام نفسه.
ليس المطلوب إعلان حرب عسكرية على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل ائتلاف وطني واسع لوضع خطة نهوض اقتصادي وسياسي، عمادها حماية الأراضي الأردنية، وإعادة ربط الإنسان بالأرض وبهويته الثقافية، قبل فوات الأوان، فتدمير الأراضي الزراعية سيبعد أهل الأردن عن أراضيهم، وهذا يخدم المشروع الصهيوني، إذ لا تختلف سيناريوهات كهذه كثيراً عن الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وإن بأشكال مختلفة من الهيمنة الاقتصادية، لكن النتيجة هي التوسع الصهيوني. ولا يمكن أن تكون للشعب أو الدولة القدرة على التفكير حتى بمثل هذه المواجهة التي بدأت في الحقيقة عام 1920، والجهات الرسمية تتحدث عن إمكانية صدام مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه، تُقوَّض الحريات والحركة السياسية والاعتقالات في صفوف الحراكيين، فالخطر الحقيقي على النظام هو التهديد الصهيوني، لا المعارضة الأردنية أو الحراكيون. ما نراه، منطق مقلوب، أفقد صدقية الموقف السياسي الأردني، ويزيد من الاحتقان، ويعرقل أي جهود جماعية للخروج من أزمة مركّبة، تستغلها إسرائيل ضد الجميع. ومن ذلك، إن توقيف الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية، سعيد ذياب، على خلفية مقال، واتهامه بالمسّ بهيبة الدولة (أُفرج عنه بكفالة) يُضفي على الوضع سخرية مريرة. فالأجدى هو الحفاظ على هيبة الدولة من الاستهتار الأميركي والإسرائيلي، ووحدة الصف، ليس فقط داخل الأردن، بل أيضاً بين الفلسطينيين والأردن، وإلا فالخطر الآتي لن يرحم أحداً.