معضلة الاتحاد الجمركي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي

28 ابريل 2018
الصورة
بريطاني مناهض للبريكست (ألبرتو بيزالي/Getty)

تلقت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أكبر هزائمها، يوم الأربعاء الماضي، في مجلس اللوردات مع تصويت الغرفة العليا في البرلمان ضد منح سلطات واسعة للوزراء بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وصوّت 349 من أعضاء المجلس ضد الفقرة الخاصة بانتقال السلطات بعد "بريكست" إلى الحكومة في مشروع قانون "بريكست"، بفارق 128 صوتاً عن مؤيديه. ويحدّ هذا التصويت من قدرة الحكومة البريطانية على إجراء التعديلات التي تراها لازمة في قوانين الاتحاد الأوروبي ودمجها في القانون البريطاني بعد "بريكست"، من دون العودة إلى البرلمان. ويخضع مشروع القانون حالياً للنقاش في مجلس اللوردات، بعد أن كان تجاوز مجلس العموم نهاية العام الماضي، على أن يعود إلى مجلس العموم بعد الانتهاء من نقاشه في مجلس اللوردات.

وتُعدّ هذه الهزيمة السادسة لحكومة ماي في الغرفة العليا من ويستمنستر في غضون أسبوعين. وبينما حذّر زعيم الكتلة المحافظة المؤيدة لـ"بريكست" مشدد، جايكوب ريس موغ، مجلس اللوردات من "اللعب بالنار" حول الخروج، رحّبت منظمة العفو الدولية بنتائج تصويت مجلس اللوردات، معتبرة أن "مجلس اللوردات وجّه رسالة واضحة للعموم: مغادرة الاتحاد الأوروبي لا تعني التخلي عن الحقوق".

وكنتيجة للمناخ الذي ولّدته هزائم الحكومة في الأسبوعين الماضيين، حذّر حزب الاتحاد الديمقراطي، حليف حكومة ماي في مجلس العموم، من تجاوز خطوطه الحمراء بمعاملة إيرلندا الشمالية بطريقة مختلفة عن بقية بريطانيا. وهدّد الحزب الإيرلندي الشمالي الموالي للتاج البريطاني من سحب دعمه لحكومة ماي، وهو ما سيؤدي لانهيارها، كون حزب المحافظين يعتمد على الاتحادي للحصول على الأغلبية في مجلس العموم. ويأتي هذا التحذير نتيجة لمخاوف الاتحادي من إبقاء إيرلندا الشمالية في الاتحاد الجمركي أو السوق الأوروبية المشتركة بعد "بريكست" وخروج بقية بريطانيا من هذه البنى. وهو ما يُعدّ أحد الحلول المقترحة لمشكلة الحدود الإيرلندية، ولكنه يهدد وحدة الأراضي البريطانية.

وكانت حكومة ماي قد تعهّدت بأن "بريكست يعني بريكست"، ما عنى خروج بريطانيا من السوق الأوروبية والاتحاد الجمركي. إلا أن الهزائم الأخيرة دفعت مصادر حكومية إلى الحديث عن وجود خيار "اتحاد جمركي" عوضاً عن "الاتحاد الجمركي" الحالي. كما كانت ماي قد اقترحت مسبقاً وجود شراكة جمركية مع الاتحاد الأوروبي. ومما يزيد تعقيد الأمور اقتراح زعيم المعارضة العمالية، جيريمي كوربن، وجود "اتحاد جمركي" جديد وشامل مع الاتحاد بعد بريكست. ولا تختلف هذه المقترحات جداً عن بعضها، وإن كانت قد صيغت لتجنب بعض العراقيل السياسية والاقتصادية التي يفرضها انقسام السياسيين البريطانيين حول مستقبل بريطانيا بعد عام 2020.



وأجري يوم الخميس الماضي، تصويت غير ملزم في مجلس العموم، حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الجمركي، بطلب من متمردي حزب المحافظين الحاكم. ووافق مجلس العموم شفوياً على اقتراح الاتحاد الجمركي من دون تصويت في إجراء لا يتطلب من الحكومة أن تتخذ أي إجراء. والاتحاد الجمركي أحد أبرز النقاط الرئيسية في الجدل بشأن خروج بريطانيا المنتظر من الاتحاد الأوروبي، وقادة الحملة المؤيدة لخروج بريطانيا حساسون لأي اقتراح بشأن احتمال بقاء بريطانيا في مثل هذا الارتباط مع التكتل. ويقول مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي إن البقاء في أي تجمع للاتحاد سيجعل من بريطانيا "دولة تابعة".

والاتحاد الجمركي الحالي يسمح للدول الأعضاء بتبادل البضائع التجارية من دون وضع تعرفة جمركية متبادلة في ما بينها، ويضع تعرفة جمركية موحدة على البضائع القادمة من خارج هذا الاتحاد. ويسمح هذا الخيار بحرية وسرعة تنقل البضائع بين دول هذا الاتحاد من دون وجود نقاط تفتيش أو رسوم جمركية. ويفيد هذا الأمر بشكل رئيس الصناعات التي تأتي مكوناتها من دول مختلفة ويجب أن تتوفر بسرعة في المصنع الرئيسي، مثل صناعة السيارات، التي تتبع جدولاً زمنياً دقيقاً.

ويرى مؤيدو "بريكست" مخفف أن "نجاح صناعة السيارات البريطانية يعتمد على وجود مثل هذا الاتحاد، لاعتمادها على قطع الغيار من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي". كما يعد الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الأكبر لبريطانيا، وبالتالي الحفاظ على تجارة من غير قيود مع الكتلة الأوروبية أولى من السعي وراء علاقات تجارية مع دول بعيدة مثل الصين والهند.

إلا أن البقاء في الاتحاد الجمركي سيحد من قدرة بريطانيا على وضع تعرفة جمركية مخفضة وتنافسية في أي اتفاق تجاري تبرمه مع أطراف ثالثة. وهو ما يرى مؤيدو "بريكست" مشدّد أنه تقييد للقرار البريطاني المستقل، الذي كان الدافع وراء التصويت لصالح الخروج. كما أن دول الاتحاد تعتمد سياسات تجارية موحدة نيابة عن جميع الدول الأعضاء، وهو ما سيعقّد قدرة بريطانيا على صياغة اتفاقيات تجارية على مقاسها بعد "بريكست".

إلا أن الحديث عن اتحاد جمركي جديد ومحدود يجد مثيلاً له في النموذج التركي، وهو اتحاد جمركي جزئي يتم فيه تطبيق السياسة التجارية الموحدة والرسوم الجمركية في مجالات محددة. فتركيا تعتمد الرسوم الجمركية الأوروبية على أغلب البضائع الصناعية، وتستثني منها المنتجات الزراعية، وهو ما يفيد الجانب التركي بحيث يسمح له بالتجارة السلسة مع الاتحاد الأوروبي، ولكنه يسمح أيضاً لبروكسل بالتحكم بالسياسة التجارية التركية لدرجة معينة. كما أن الاتحاد الجمركي الجزئي ليس متناظراً، إذ يجبر الاتحاد الأوروبي تركيا على فتح أسواقها لأطراف ثالثة وقعت اتفاق تجارة حرة مع الكتلة الأوروبية.



ويقول داعمو هذا النموذج من الأعمال البريطانية إنه "يسمح لبريطانيا بإبرام صفقات تجارية خاصة بها، بينما يحافظ على العلاقة التجارية السلسة مع الاتحاد الأوروبي. ويمكن لبريطانيا التفاوض مع الاتحاد للحصول على وضع أفضل من تركيا في العلاقة بين الطرفين".

سياسياً يسمح الاتحاد الجمركي الجزئي بجسر الهوة بين التيارات السياسية المختلفة والتي تمتلك رؤى مختلفة عن شكل "بريكست"، والهدف من ذلك تمرير صفقة الخروج النهائية عندما يتم التصويت عليها نهاية العام الحالي. إلا أن مثل هذه الصفقة لا ترضي متطرفي "بريكست"، بزعامة موغ، والذي يتمتع بشعبية متزايدة في صفوف المحافظين، ويجعل رفض هذه الكتلة البرلمانية لخيار الاتحاد الجزئي أمراً مستحيلاً سياسياً أمام حكومة ماي، إن أرادت تجنب انهيارها وخوض انتخابات عامة قد تصل بجيريمي كوربن إلى 10 داوننغ ستريت.

وتحاول ماي الدفع بخيار ثالث يعرف بالعلاقة الخاصة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي فتحافظ بريطانيا على جميع إيجابيات الاتحاد الجمركي وتتخلص من سلبياته، وهو ما ترفضه بروكسل كلياً، كونه سيسمح لبريطانيا بالسيطرة على قرار الاتحاد الأوروبي من دون الالتزام بقواعده. ومما يزيد الأمر تعقيداً، عدم توفير أي من هذه الخيارات البديلة المطروحة أي حل لمعضلة الحدود الإيرلندية، والتي تشكل الحاجز الأكبر أمام مؤيدي الخروج التام من الاتحاد الأوروبي.

فإذا تبنت بريطانيا الاتحاد الجزئي بناء على النموذج التركي، فإن الحدود التركية الأوروبية توحي برفع الحدود الصلبة بين الطرفين ووجود التفتيش الجمركي والتأخير التالي، وهو ما قد تنجم عنه طوابير حدودية تمتد كيلومترات عدة. كما أن البقاء كلياً في الاتحاد الجمركي لا يعني بالضرورة التخلص من الحدود الصلبة، إذ سيقوم الاتحاد الأوروبي بفحص مطابقة البضائع الداخلة إليه للقوانين المعمول بها في دوله، بينما يُعدّ رفع الحدود الصلبة بين إيرلندا الشمالية والجمهورية الإيرلندية، والتي هي الحدود البرية الرئيسية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، خطاً أحمر للجانبين في المفاوضات.