معركة خطوط حمراء في سورية: داعمو النظام يتحدّون بالمجازر

10 ابريل 2017
الصورة
تتسع حالة الغضب الشعبي من جريمة خان شيخون(تولغا أكمين/الأناضول)
+ الخط -
يعيش النظام السوري، وحليفاه إيران وروسيا، حالة من الاستنفار والقلق نتيجة التحولات الأميركية والدولية في الملف السوري عقب جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون الأسبوع الماضي، والتي بدأت تتوالى مؤشراتها منذ الضربة الجوية الأميركية التي استهدفت مطار الشعيرات قبل أيام مروراً بالتصريحات الأميركية والأوروبية التي عادت لتتحدث عن ضرورة إزاحة بشار الأسد، وصولاً إلى اتهام وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لروسيا أمس بأنها تتحمل مسؤولية بالوكالة عن الهجوم في خان شيخون نظراً لأنها لم تفِ بالتزاماتها في ما يتعلق بضمان تخلص النظام السوري من ترسانة الأسلحة الكيماوية. 
ولم يجد النظام السوري وحلفاؤه، أمس الأحد، سوى اعتماد لغة التهديد والوعيد في مواجهة هذه التحولات مستبقاً اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة السبع في مدينة توسكانا الإيطالية، اليوم الاثنين وغداً الثلاثاء، الذي يتوقع أن يحمل موقفاً دولياً أكثر تشدداً تجاه نظام الأسد، فيما واصل الانتقام من المدنيين عبر استخدام الأسلحة المحرمة دولياً.


التعبير الأبرز عن لغة التهديد ترجم في بيان نشرته صحيفة الوطن المقربة من النظام بحسب وكالة "فرانس برس"، صادر عن ما يسمى بـ"قيادة غرفة العمليات المشتركة"، التي تضم روسيا وإيران والقوات الرديفة التي تقاتل إلى جانب النظام السوري، بما في ذلك حزب الله. وتضمن البيان 10 نقاط أبرزها وصف القصف الأميركي بأنه "عدوان على سورية وهو تجاوز للخطوط الحمراء، فمن الآن وصاعداً سنرد بقوة على أي عدوان وأي تجاوز للخطوط الحمراء من قبل أي كان وأميركا تعلم قدراتنا على الرد جيداً". كما تعهدت الأطراف المشاركة في البيان بالعمل "لتحرير كل الأراضي السورية من رجس الاحتلال أياً كان". وجاء فيه أيضاً أن "روسيا وإيران لن تسمحا لأميركا أن تهيمن على العالم وتفرض نظام القطب الواحد عبر استمرار العدوان المباشر ضد سورية عن طريق خرق القوانين الدولية والعمل خارج إطار الأمم المتحدة، وستقفان في وجه أميركا بكل قوة ولو بلغ ما بلغ"، فضلاً عن التعهد بزيادة "دعمنا للجيش العربي السوري والشعب السوري الشقيق بمختلف الطرق". وتزامن البيان مع سلسلة اتصالات على المستويين السياسي والعسكري على خط طهران موسكو دمشق، بما في ذلك اتصال هاتفي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني حسن روحاني تخلله إدانة الضربة الأميركية فضلاً عن المطالبة بإجراء تحقيق موضوعي" في جريمة خان شيخون والتأكيد على استعداد لتعميق التعاون لمكافحة الإرهاب. كما أجرى روحاني، اتصالاً مماثلاً مع الأسد، وصف فيه الضربة الأميركية بأنها "انتهاك صارخ" للسيادة السورية وأكد دعم بلاده لحكومة الأسد.

كما ترافقت التهديدات مع المضي في سياسة استهداف السوريين بمختلف أنواع الأسلحة بما فيها أسلحة محرمة دولياً منها النابالم، والفوسفور بطائرات تنطلق من مطار الشعيرات نفسه بعد إعادة تأهيله على عجل. وأكدت مصادر في المعارضة السورية المسلحة أن طائرات النظام السوري استهدفت السبت مواقع عدة في أرياف حماة، وإدلب، ودرعا، بقنابل تحتوي الفوسفور الأبيض المحرم دولياً، وبالقنابل العنقودية، وبالنابالم الحارق، في وقت ارتكب فيه الطيران الروسي مجزرة في قرية أورم الجوز في ريف إدلب، حيث قتل وأصيب العشرات بينهم أطفال بقصف جوي. كما استهدف القصف مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي. بدورها، أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أمس الأحد، أن النظام السوري "تحدى المجتمع الدولي مجدداً واستخدم أسلحة كيميائية في إطار هجوم شنَّه على حي القابون في العاصمة دمشق الجمعة"، مطالبة بـ "ردع النظام السوري عن تكرار ارتكاب المجازر بجميع أنواع الأسلحة"، وفق الشبكة.

وفي السياق، اعتبر الائتلاف الوطني السوري جريمة أورم الجوز "لا تقل شناعة عن جرائم نظام الأسد، والمليشيات الإيرانية". وأشار إلى أن الروس والإيرانيين والنظام "يفرغون جام غضبهم على المدنيين، رداً على الخطوة الأميركية"، التي وصفها بـ "الاستثنائية"، في بيان له أمس الأحد. وتدرك روسيا، حجم التململ الدولي، تحديداً الأميركي الأوروبي، بسبب استمرارها في دعم نظام بشار الأسد، والذي انعكس في توالي المواقف المنددة بدورها في سورية، بما في ذلك دعوة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس الأحد، روسيا للكف عن الإصرار على ضرورة بقاء بشار الأسد في السلطة، واعتبار وزير الدفاع البريطاني، مايكل فالون، أن روسيا تتحمل "مسؤولية غير مباشرة عن سقوط كل قتيل مدني الأسبوع الماضي".

لكن يبدو أن موسكو تريد إيصال رسائل إلى الإدارة الأميركية والغرب تفيد بأنها قادرة على إفساد أي مساع دولية لا تراعي مصالحها في سورية، خصوصاً أن رفع سقف التهديدات أتى عشية اجتماع وزراء مجموعة السبع، في مدينة توسكانا الإيطالية للتحضير لاجتماع قمة رؤساء الدول والحكومات لمجموعة الدول السبع التي ستنعقد في 26 و27 مايو/أيار المقبل. وتتألف المجموعة من الولايات المتحدة، وكندا، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا. ومن المتوقع أن تنتهج أسلوباً جديداً في التعاطي مع روسيا في العديد من الملفات الساخنة، وأبرزها الملف السوري الذي استفردت فيه موسكو طيلة سنوات بسبب عدم جدية إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في مواجهة التمدد الروسي والإيراني. كما جاءت التهديدات قبيل المباحثات بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي ريكس تيلرسون في أول زيارة رسمية له إلى موسكو منذ توليه منصبه، فيما ألغي اللقاء الذي كان مقرراً بين تيلرسون وبوتين. وقد حرص تيلرسون على استباق توجهه إلى موسكو بإيصال مطالب محددة إلى روسيا.

وتساءل في مقابلة تلفزيونية عن النوايا الفعلية لروسيا في سورية، معتبراً أنها بدت "غير مؤهلة" للإشراف على تفكيك الترسانة الكيماوية لنظام الرئيس بشار الأسد. وأضاف في المقابلة التلفزيونية "سأطلب من وزير الخارجية (سيرغي) لافروف والحكومة الروسية أن يفيا بالتزاماتهما حيال المجتمع الدولي حين وافقا على ضمان التخلص من الأسلحة الكيماوية". وأضاف "لماذا لم تكن روسيا قادرة على الاضطلاع بهذه المهمة؟ هذا ليس واضحاً بالنسبة إلي. لا أريد أن أستخلص أنهم كانوا متواطئين، لكن من الواضح انهم كانوا غير مؤهلين وقد يكون السوريون تلاعبوا بهم". وتابع تيلرسون عن الروس "من الواضح انهم حلفاء بشار الأسد. ينبغي أن يؤثروا عليه في شكل كبير ويدفعوه إلى الكف عن استخدام الأسلحة الكيماوية".

وقال تيلرسون "لا أعتقد أن الروس يريدون تدهوراً للعلاقات مع الولايات المتحدة، لكن ينبغي إجراء مباحثات كثيفة لنفهم في شكل أفضل طبيعة العلاقة التي تريد روسيا ان تقيمها معنا". وأضاف "آمل أن نجري محادثات بناءة مع الحكومة الروسية ووزير الخارجية لافروف لتدعم روسيا عملية تفضي إلى سورية مستقرة". وبات من الواضح أن تغيّراً جوهرياً طرأ على تعاطي الإدارة الأميركية مع الملف السوري فضلاً عن التحول في الأولويات الذي فرضته جريمة خان شيخون، خصوصاً ما يتعلق بالأسد وأركان حكمه. وهو ما أشارت إليه السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، التي قالت إن تغيير النظام في سورية أحد أولويات إدارة الرئيس دونالد ترامب. وأضافت في مقابلة تلفزيونية أن "أولويات واشنطن هي هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، والتخلص من النفوذ الإيراني في سورية، وإزاحة الرئيس السوري بشار الأسد".

المساهمون