معركة الموصل تراوح مكانها: قبور داخل حدائق المنازل

معركة الموصل تراوح مكانها: قبور داخل حدائق المنازل

25 نوفمبر 2016
الصورة
التهجير مستمر في المدينة (توماس كوكس/فرانس برس)
+ الخط -
على وقع استمرار العمليات العسكرية في الموصل وضواحيها، ترصد "العربي الجديد" شهادات مرعبة لسكان داخل المدينة تعكس الجانب الأكثر بشاعة من مزيج الجحيم الذي تسبب به تنظيم "داعش" لسكان المدينة، وللحرب الدائرة منذ 36 يوماً وما نتج عنها من سقوط لمدنيين بغارات القوات العراقية المشتركة والتحالف الدولي داخل المدينة، فضلاً عن حصول عمليات تعذيب وإخفاء قسري وانتهاكات بحق المدنيين، خارج المدينة وداخلها. كما تتحدث مصادر حقوقية عراقية عن تقصير واضح للأمم المتحدة في إغاثة الفارين من المعارك، خلافاً لما تعهّدت به قبل انطلاق المعركة بأيام قليلة.

وبالتزامن، تشتد المعارك بشكل تصاعدي على مختلف محاور القتال، مع تسريب مصادر عسكرية عراقية في بغداد، لـ"العربي الجديد"، معلومات عن "استعداد القوات الأميركية لتنفيذ عمليات إنزال جوي بمشاركة الفرقة الذهبية، التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب العراقي وقوات البشمركة الكردية، تستهدف مواقع مهمة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، يُعتقد أنها تضمّ قيادات بارزة، خصوصاً في مناطق سنجار والبعاج والجزيرة، غرب الموصل وجنوبي غربها، فضلاً عن مناطق القائم ومكر الذيب وحصيبة الغربية وضلع البو كمال السورية الحدودية مع العراق.

وفي سياق المصاعب اليومية لأهالي المنطقة، يشهد حي السماح، شرق الموصل، معارك واشتباكات دامية منذ نحو أسبوعين. الجميع محاصر هناك، من دون قدرة على تأمين الطعام والماء، لوقوعهم بين ناري المهاجمين و"داعش". كما بات سكان الحي يدفنون أمواتهم في حدائق المنازل. ويذكر ضابط رفيع في جهاز مكافحة الإرهاب، أن "أكثر من 38 حديقة منزل تحولت إلى مقابر تضم عائلات كاملة، دفن بعضها الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب وآخرين دفنهم الجيران". ويتابع أن "هناك ضحايا كثر قتلوا بنيران قواتنا، بشكل غير متعمّد كما يفعل داعش، فالحرب طاحنة ولا ترحم وذنبهم أنهم تواجدوا في المكان والزمان الخطأ".

ويضيف أن "الانتهاكات موجودة لكن كلها فردية من قبل جنود وعناصر ونحاول ضبطها ونحاسب من يرتكب جرائم بحق المدنيين، ومنها إلقاء جندي قنبلة يدوية داخل منزل فيه عائلة أدى إلى وفاة طفلة وجرح ستة آخرين في حي الملايين، شرق الموصل، قبل أيام". وحول القصف الدولي، يشير إلى أن "عدد الضحايا بسبب القصف الدولي أو المدفعي للجيش كثير، لكن لا أحد يذكر ذلك في الموجز الصحافي اليومي، سواء للتحالف أو الحكومة العراقية". ويردف أن "رئيس الحكومة حيدر العبادي والتحالف الدولي أيضاً، رفضوا مقترحاً لضباط في قيادة عمليات تحرير نينوى بإيقاف القتال يومين فقط للسماح بعمليات إجلاء السكان من الأحياء الشرقية للموصل، أو على الأقل إيصال طعام لهم".



من جهته، يشير النقيب في قوات البشمركة هلكارد محمد، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الأسبوع الماضي شهد مقتل أكثر من 100 مدني شرق الموصل، بسبب التحالف والقصف الصاروخي للجيش". ويردف أن "هناك منازل لداعش عندما يتم ضربها، تنهار معها ثلاثة أو أربعة بيوت مجاورة. لكن من غير الأخلاقي نكران حصول ذاك". من جانبه، يقول مدير منظمة السلام لحقوق الإنسان محمد علي، لـ"العربي الجديد"، إن "عدد النازحين ارتفع إلى 82 ألف نازح، و40 ألفاً فقط يحظون بمساعدات من الأمم المتحدة، هي عبارة عن خيمة خفيفة لا تقي البرد أو المطر وكيس رز وآخر سكر وعدس ومواد بسيطة أخرى". ويكشف أن "نحو 12 ألف مدني في العراء، أما الباقون فحالفهم الحظ في العثور على أشخاص لديهم خيام، ووافقوا على المشاركة معهم بها، أو وجدوا خرائب وهياكل مباني قديمة سكنوا فيها".

كما يوضح الناشط الحقوقي وسام سلام، العامل في مخيم خازر (30 كيلومتراً، شرق الموصل)، أن "المساعدات لا تكفي وبعضها يصل تالفاً أو منتهي الصلاحية، والحكومة لم تصدق في تعهداتها بتوفير الحماية والأمن والعلاج والطعام لهم، وهذا كله غير صحيح".

ميدانياً، أنهت القوات العراقية المشتركة، مدعومة بالتحالف الدولي، أمس الخميس، يومها السادس والثلاثين من الهجوم على المدينة لتحريرها من "داعش". في هذا الإطار، تفيد مصادر عسكرية بأن "قوات الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب تمكنت من السيطرة على كامل حي المحاربين، شرقي المدينة، ليرتفع بذلك عدد الأحياء المسيطر عليها منذ بدء التوغل بالمدينة إلى 12 حياً سكنياً، في حين تستمر الاشتباكات والمعارك بأحياء القادسية والسماح والشقق والانتصار والقدس وعدن". وفي السياق، تراوح قوات الجيش مكانها لليوم الثاني في منطقة البوسيف، من المحور الجنوبي الملاصق لمطار الموصل الدولي. وبحسب مصادر عسكرية، فإن "الجيش يسعى للسيطرة على منطقة البوسيف، التي تعتبر عملية السيطرة عليها بمثابة السيطرة على المطار والمجمع الملاصق له".

ومن الجنوب الغربي، تستمر المعارك على مشارف مناطق الرشيدية والهرمات وبوابة الموصل، التي تفضي إلى الطريق الرابط مع العاصمة بغداد. ويلفت النقيب في جهاز مكافحة الإرهاب، أحمد سعدي، إلى أن "قوات إضافية جديدة وصلت إلى الأحياء الشرقية لإدامة زخم المعركة". ويبيّن في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "أكثر من 30 ألف جندي وعنصر قوات خاصة، تم دفعهم إلى الأحياء الشرقية من المدينة، والقتال يجري بشكل مستمر منذ فجر الخميس بلا توقف".

ويشير إلى أن "الحرب باتت بين الأزقة والبيوت والأفرع الضيقة، وهذا طور جديد لم نعتد عليه سابقاً، لكننا نحاول أن نحرز تقدماً مهما كلف الثمن". ويؤكد على "وجود مدنيين داخل المنازل في الأحياء التي تشهد معارك، وهي الانتصار والبكر والشقق والقادسية وجديدة المفتي، كما أن هناك اشتباكات أخرى بنمط أقل حدة في أحياء مختلفة".

ووفقاً لمصادر عسكرية عراقية، فإن الطيران الأميركي نفّذ أكثر من 20 ضربة جوية على مناطق وأحياء مختلفة بالموصل، أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين. كما دمّر آخر جسور المدينة، وهو الجسر الثاني المعروف باسم الجسر القديم، الذي شُيّد في عهد الملك فصيل الأول، إبّان العهد الملكي في العراق مطلع القرن الماضي.

وتُشدّد مصادر من داخل الموصل، على أن "التواصل بين الساحلين الأيمن والأيسر انقطع تماماً، إلا من الزوارق التي تعبر دجلة وهي عرضه للقصف أيضاً". وتفيد بأن "القصف أوقف مشروع ضخّ الماء للمنازل، كما أدى أحد الصواريخ إلى قطع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة". كما تشير مصادر طبية من داخل مستشفى الموصل العام، إلى ارتفاع عدد الضحايا المدنيين أخيراً إلى 71 قتيلاً وجريحاً، جراء القصف الجوي والصاروخي على المدينة".

كما حصلت "العربي الجديد" على تسريبات خاصة من مصادر بوزارة الدفاع العراقية، تؤكد قرب تنفيذ القوات الأميركية عمليات إنزال جوية على مواقع وأهداف منتخبة في معاقل ما تزال مؤمّنة لتنظيم "داعش"، أبرزها البعاج والجزيرة وسنجار ومناطق القائم ومكر الذيب وحصيبة الغربية وضلع البو كمال السورية الحدودية مع العراق. وستتم هذه العمليات بالشراكة مع قوات الفرقة الذهبية المدربة من قبل الأميركيين وقوات البشمركة أيضاً، بناءً على معلومات استخبارية ستستهدف رؤوس وقيادات بارزة بالتنظيم، وصفتها المصادر بأنها "بمثابة الصندوق الأسود لتنظيم داعش".

المساهمون