معركة "الفيصل" ضد "القاعدة" بحضرموت: الإمارات تعوّض خسائرها بعدن

معركة "الفيصل" ضد "القاعدة" بحضرموت: الإمارات تعوّض خسائرها بعدن

19 فبراير 2018
الصورة
لن يجدي مع "القاعدة" تدابير الأمن الخشن(صالح العبيدي/فرانس برس)
+ الخط -

أعلن التحالف العربي، أول من أمس السبت، إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى "الفيصل" لمواجهة تنظيم "القاعدة" في وادي المسيني غرب مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، شرقي اليمن.

وكانت العملية قد بدأت فعلياً الخميس الماضي، حين توجّهت أرتال عسكرية من مدينة المكلا باتجاه الوادي (قرابة 20 كيلومتراً غرب المدينة)، الذي اتخذه تنظيم "القاعدة" معقلاً له منذ انسحابه من مدينة المكلا في إبريل/نيسان 2016. ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية "وام" أن قوات من "النخبة الحضرمية" المدعومة إماراتياً، نجحت في حصار الوادي والسيطرة على مداخله.


وفيما تشحّ المعلومات عن سير المعركة في الوادي، اكتفت قيادة المنطقة العسكرية الثانية في بيان لها بالإشارة إلى بدء العملية واستمرار "تطهير" المحافظة من التنظيم، بينما أفادت وكالة "فرانس برس" بسقوط جنديين من قوات النخبة في المعارك.

وتوازياً مع معركة المسيني غرب المكلا، تدور منذ يومين مواجهات بين قوات "النخبة الحضرمية" وبين مسلحي "القاعدة" في مديرية وادي عمد غرب مدينة سيئون، التي تتبع إدارياً وادي حضرموت، الخاضع عسكرياً لسيطرة قوات المنطقة العسكرية الأولى، وهي آخر قوات توجد بالمحافظة وينتمي أفرادها لمختلف المحافظات اليمنية، بخلاف قوات النخبة المشكلة حصراً من أبناء محافظة حضرموت. وأسفرت المواجهات في الوادي الذي يمتد لقرابة 80 كيلومتراً عن سقوط قتلى من تنظيم القاعدة، بحسب "فرانس برس".

وكان تنظيم "القاعدة" قد اتبع استراتيجية "العودة إلى الأرياف" منذ انسحابه من مدينة المكلا في إبريل 2016 على وقع غارات "التحالف العربي"، ودخول قوات تشرف عليها الإمارات أطلق عليها لاحقاً "قوات النخبة الحضرمية"، وذلك بعد سيطرة على المدينة دامت عاماً كاملاً، استغل فيها التنظيم ظروف الحرب في البلاد معلناً "إمارة إسلامية" في المدينة، ومناطق أخرى في محافظات أبين وشبوة والبيضاء.

وتمركز التنظيم خلال العامين الماضيين في مناطق دوعن، ووادي المسيني، ومناطق غرب وادي حضرموت، وتمكّن من تنفيذ عدد من العمليات التي تستهدف قوات الجيش والأمن، خصوصاً في مديرية دوعن التي تصدّرت كأكثر المناطق التي شهدت عمليات من هذا النوع.

ووفقًا لخبراء عسكريين، فإن هذا التوجّه للقاعدة يأتي لتقليل نزيف القيادات والأفراد، الذين باتوا في مرمى الطائرات بدون طيار الأميركية التي كثّفت هجماتها مع دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ومن الملاحظ أن "القاعدة" بحضرموت نجح إلى حدّ ما في إبعاد أفراده عن صواريخ "الدرونز" الأميركية، على خلاف محافظات مأرب والبيضاء التي شهدت عشرات العمليات من هذا النوع العام الماضي، وفق تقرير صدر عن البنتاغون في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وفي هذا الخصوص، يشير الخبير العسكري والباحث في شؤون النزاعات المسلحة، علي الذهب، إلى أن "القاعدة عانى من استهداف مستمر، بالطائرات بدون طيار، التي ارتفعت عملياتها خلال العام الماضي إلى الضعف عمّا كانت عليه عام 2016، وفيها فقد الكثير من القادة من الصفين الأول والثاني، وجفت مصادر تمويله الداخلية والخارجية، إلاّ القليل منها، بفعل الإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة الأميركية وبعض دول المنطقة".

ويضيف الذهب في حديث مع "العربي الجديد"، أن التنظيم عاد إلى مرحلة ما قبل "إدارة التوحش"، حسب أدبياته، و"فيها يعيد ترتيب نفسه وتعويض ما فقده من أسباب القوة المادية والبشرية، حتى تتهيأ له الظروف للعودة مرة أخرى".

 

دلالة التوقيت

يحمل توقيت إطلاق "عملية الفيصل" ضد القاعدة، دلالة خاصة، إذ جاء بعد يومين فقط، من صدور تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة الذي وصف قوات "النخبة" بأنها تعمل خارج هياكل المؤسسة العسكرية اليمنية، إلى جانب انتقادات وجهت للإمارات بإنشاء جماعات تقاتل بالوكالة.


وكانت آخر عملية شهدها وادي المسيني بين قوات "النخبة الحضرمية" وتنظيم "القاعدة"، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، سقط فيها ضحايا من الطرفين، قبل أن تجمّد العمليات في الوادي، وهو ما يثير استفهامات حول تأخّر "عملية الفيصل" كل هذه المدة، رغم خطورة تمركز "القاعدة" في الجهة الغربية من مدينة المكلا.

في سياق متصل، يبدو واضحاً أنّ الإمارات تواصل مساعيها لتقديم نفسها كحليف للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط. وبرز ذلك في تعاطي الإعلام الإماراتي الذي يقدّم دور الإمارات في العملية كدولة أكثر منها كشريك في التحالف، إذ عنونت وكالة "وام" الإماراتية الرسمية خبر بدء العملية بالقول "بدعم من قواتنا المسلحة... التحالف يبدأ عملية الفيصل بوادي المسيني لتطهيره من جيوب القاعدة وأوكارها"، قبل أن تشير في سياق الخبر إلى ما وصفته بـ "الأدوار الرئيسية" لدولة الإمارات في مكافحة الاٍرهاب في اليمن.


يُشار إلى أنّ العملية سبقها لقاء هو الأول من نوعه، بين محافظ حضرموت، اللواء فرج البحسني، وقيادة التحالف من القوات السعودية بشكل منفصل في المكلا، وهو أوّل لقاء علني بين الطرفين في المدينة ذات الهيمنة الإماراتية. وهو ما يضع احتمالاً بأن العملية ضدّ "القاعدة" ربما جاءت بضوء أخضر سعودي، في إطار مساعي الرياض لتقاسم النفوذ مع أبوظبي، بدءاً من عدن، مروراً بالمهرة ووصولاً إلى حضرموت.

من جهة أخرى، يبدو أن لافتة "محاربة الإرهاب"، ستكون مدخلاً لقوات "النخبة الحضرمية" للسيطرة على وادي حضرموت (تصنيف إداري لتجمع من المديريات)، الذي تنتشر فيه قوات المنطقة العسكرية الأولى بقيادة اللواء الركن صالح طيمس، إذ إنّ دخول قوات النخبة إلى وادي عمد التابع لوادي حضرموت، مع استبعاد التنسيق مع وحدات المنطقة العسكرية الأولى، يمثّل خطوة مفصلية قد تتبعها خطوات مماثلة، في مسعى لتعويض فشل انقلاب عدن بتحقيق أهداف جديدة في حضرموت، بحسب مراقبين.


وتزامناً مع بدء العمليات ضد "القاعدة"، تصاعد تحريض أذرع الإمارات الإعلامية ضد هذه القوات، واتهامها بتسهيل انتشار أفراد "القاعدة".

وبالرغم من التعاطف الشعبي المساند لعمليات قوات "النخبة الحضرمية" ضد "القاعدة"، إلاّ أنّ بعضهم يبدي تخوّفه من أن تكون هذه المعارك ذات مغزى سياسي أكثر من كونه أمنياً، تستنزف فيها قوات النخبة الناشئة حديثاً والتي ينقصها التدريب الكافي لخوض حروب في مناطق وعرة.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب السياسي، منصور باوادي، إن "هناك فارقاً بين قوات النخبة وتنظيم القاعدة، فالنخبة حديثة الولادة، ولا يزال ينقصها الكثير في الجانب العسكري، سواء من ناحية التسليح، أو من ناحية التكتيك وفنونه. أمّا القاعدة، فعناصره متمرّسون على حرب العصابات، وعلى دراية كبيرة بالمناطق التي يحضرون فيها، وهذا النوع من الحرب مرهق لأقوى الجيوش، ناهيك عن وحدات صغيرة حديثة الإنشاء والتكوين لم ترتق لمسمى جيش متكامل".

ويضيف باوادي، في منشور على صفحته في موقع "فيسبوك"، أن "كل هذه الحرب التي يتم الزجّ بالنخبة فيها، الهدف الرئيس منها سياسي بحت تسعى له بعض الأطراف المتبنية للنخبة، فلو كان الهدف أمنياً، لوجب إشراك قوات الشرعية في الوادي، خصوصاً وأنّ وادي عمد إدارياً وعسكرياً يتبع للوادي وليس الساحل، فلماذا لم يتم التنسيق بين النخبة وقوات المنطقة الأولى لمواجهة القاعدة؟ ويشير إلى أنّ "السبب يكمن في أنّ النخبة مدعومة إماراتياً، وقوات المنطقة الأولى محسوبة على نائب الرئيس، الفريق علي محسن، ومن هنا لا يمكن أن يلتقي الاثنان في حرب كهذه، والنتيجة هي خسارات فادحة في النخبة وإضعاف لها وربما انهيارها".


ويتساءل الكاتب "ماذا يُراد للنخبة من وراء هذه التصرفات "الخرقاء"؟، مضيفاً "مع احترامي لقيادة المحافظة وعلى رأسها اللواء فرج البحسني، قائد المنطقة العسكرية الثانية، محافظ حضرموت، فقرار دخول النخبة في مواجهة مع القاعدة يتجاوز صلاحيات المحافظ، بل إن الأمر يخضع لقرار إماراتي بدرجة أولى". ويوضح أنّ "الفشل في انقلاب عدن الأخير، ربما كان أحد أسباب الزجّ بالنخبة في معارك مع القاعدة، للفوز بمكاسب سياسية، ضاعت هناك".

ووفقا لباوادي، فإن محاربة "القاعدة" ينبغي أن تكون "على عاتق قوات المنطقة العسكرية الأولى، كونها أكثر عدداً وتدريباً وتسليحاً، وتمتلك أسلحة ثقيلة تغيّر في موازين المعركة، إلى جانب حضور القاعدة في كثير من الأحيان في مواقع تتبع الوادي إدارياً وعسكرياً، أو أن يكون هناك تنسيق بين النخبة وقوات المنطقة الأولى في معركة شاملة ضد القاعدة".

أما الذهب، فيرى أن "المعركة مع التنظيم غير منتهية، ولن يجدي معه تدابير الأمن الخشن، فلا بدّ من تحقيق مبدأ العدالة الجنائية، والحوار الفكري، غير أن هذا الأمر مرفوض من قبل السلطات اليمنية والولايات المتحدة".

وعن مستقبل العمليات ضد "القاعدة"، يعتقد الذهب أنه "لا منتصر لأي طرف فيها، فالمعركة مستمرة، لكن التنظيم يفقد الكثير أمام خصومه الداخليين والخارجيين". ويضيف لـ "العربي الجديد" أن "هذه ليست سوى مواجهة أشباح، فقد تكون المواجهة مع أعداد محدودة من التنظيم، بالقدر الذي يتيح للعدد الأكبر منهم التواري، كدأبهم في كل مرة، ولعل تحرير المكلا وقبلها حروب أبين وشبوة، مثالان واضحان على ذلك".

المساهمون