معتزّ وشحة جريح فأسير فشهيد "لم يسلّم نفسه للأنذال"

معتزّ وشحة جريح فأسير فشهيد "لم يسلّم نفسه للأنذال"

28 فبراير 2014
الصورة
تشييع معتزّ وشحة
+ الخط -

لا أحد يعلم تحديداً متى بدأ معتز وشحة، ابن الخامسة والعشرين، بصنع اسطورته الخاصة. الشاب المتكتّم، الصلب، والأسير المحرر الذي اعتقل مرتين، وأُطلق سراحه في يونيو/حزيران الماضي، والجريح الذي أصيب بثلاث رصاصات قبل عامين، شارك آلاف الفلسطينيين بتشييع جنازته، اليوم الجمعة، بعدما أعدمته سلطات الاحتلال إثر مواجهة جرت بينه بين رتل كامل من جيش الدولة العبرية.

"لن أسلم نفسي للأنذال". كان هذا قرار الشهيد معتز وشحة، رداً على مناشدة والدته بأن يسلم نفسه للجيش الإسرائيلي، الذي حرق منزل العائلة ودمّره بالقذائف. لكنّ معتزّ رفض الاستسلام، وأصر على الصمود على مدار ست ساعات، تم قصف المنزل فيها بقذائف "الإنيرغا"، قبل أن تصيبه إحدى القذائف وعشرات الرصاصات ويستشهد.

"الشهادة كانت قراره، وأنا احترم هذا القرار". هكذا قالت الأم الثكلى، وهي تستعد لتشييع ابنها الى مقبرة بيرزيت شمال رام الله.

مرّ كل شيء من دون صراخ أو بكاء. انصاعت الأم لطلب الزوج والأبناء بأن تكتفي بتقبيل العلم الفلسطيني الذي لفّ جثمان ابنها بالكامل، فلا مجال لقبلة أخيرة أو للمسة على رأسه الذي فجّره الاحتلال، وترك شظايا دماغه متناثرة في بيت العائلة المحترق.

على مدار ساعات التشييع من رام الله إلى بلدة بيرزيت شمالاً، ظلّت طائرات الإستطلاع الإسرائيلية، التي يعرفها الفلسطينيون باسم"الزنانة"، تحلّق في سماء رام الله وبيرزيت، وكأنها تريد أن تتأكد من أن وشحة سيوارى الثرى، وينتهي الكابوس الذي "هدّد أمن دولة الإحتلال طوال الأشهر الثمانية الماضية"، بحسب مصطلحات صحافة الاحتلال، الصادرة اليوم الجمعة.

عائلة وشحة على ثقة تامة بأن جنود الاحتلال حضروا بنية قتل معتزّ، وليس اعتقاله، وكل القرائن العملية تؤكد ذلك. هي عائلة اعتادت على اقتحامات الجيش الإسرائيلي على مدار سنوات طويلة، بهدف اعتقال أبنائها الخمسة، وجميعهم أسرى محررين، وأحدهم مبعد إلى ألمانيا منذ العام 2007. ويدرك أفراد أسرة معتزّ تماماً، بأن اقتحام صباح أمس الخميس، لم يكن عادياً، بل كان عبارة عن جبهة حرب حقيقية خاضها مئات الجنود ضد الشاب الأعزل، الذي قرر أن يصمد وألا يستسلم.

تقول زوجه اخيه، ديالا مدحت وشحة إنه "بعدما طلبوا منا مغادرة المنزل، بدأوا مباشرةً بقصفه بالقذائف، ولاحقاً تدميره بالجرافة، وكان هناك أكثر من 1000 جندي اسرائيلي، وعشرات الآليات العسكرية، كانت أجواء معركة حقيقية".

عرضت العائلة على الضابط الإسرائيلي المسؤول عن العملية، أن يكونوا دروعاً بشرية، وأن يذهبوا لإقناع معتز بتسليم نفسه لهم، لكن الضابط رفض بشكل قاطع. أما رامز وشحة، شقيق الشهيد، الذي بدا عاجزاً عن الكلام والوقوف في آن معاً، بعدما أعتدى عليه جنود الإحتلال بالضرب المبرح خلال العملية، فيشير إلى أنهم "لو أرادوا اعتقاله لفعلوا ذلك، لكنهم أرادوا إعدامه، وهذا ما فعلوه".

قرار "عدم الاستسلام للأنذال"، الذي صرحّ به لوالدته، كرره وشحة لضابطي الدفاع المدني اللذين سمحت لهما قوات الإحتلال بإطفاء النيران التي أشعلتها قذائفهم في البيت. وقد سمعت العائلة الضباط المسؤول عن العملية وهو يهدد ضابطي بالدفاع المدني قائلاً لهم: "ستدخلون إلى المنزل بهدف اطفائه وأنتم اثنين، إذا خرجتم ثلاثة، فسيتم إطلاق النار عليكم فوراً"، في تحذير صريح لمنعهم من اصطحاب معتز معهم، في حال كان جريحاً.

المئات الذين شيعوا وشحة ، اليوم الجمعة، إلى مثواه الاخير، أصروا على أن يطوفوا بجثمانه في شوارع بلدته بيرزيت، ليودع شوراعها وكنائسها وبيوتها العتيقة، قبل محطته الأخيرة في مقبرة الشهداء.

الكشافة المسيحية تقدمت الجنازة، وشيّعت الشهيد على طريقتها، بعنفوان وحزن يليقان به، قبل أن تصل إلى المسجد، لتفسح المجال لمئات المشيعيين المسلمين كي يصلّوا عليه، وتنتظر بصبر حزين انتهاء الصلاة وخطبة الجمعة، لترافقه الى مثواه الاخير.

مئات المشيعون هتفوا في جنازة الشهيد وشحة مطالبين "سرايا القدس" و"القسام" و"كتائب أبو علي مصطفى" بالإنتقام. صرخوا على مسمع من قوات الأمن الفلسطيني، التي أصرّت ان تتقدم التشييع بسياراتها.

أحد المشيعين صرخ: "هناك قوات أمن فلسطينية تشارك في تشييع الشهيد وشحة، وقوات أخرى تتمركز شمال البلدة، بالقرب من الحاجز العسكري الإسرائيلي، لتمنع المتظاهرين من الذهاب وإلقاء الحجارة على الإحتلال. أليست هذه مفارقة مضحكة؟".

ليس هذا فحسب، بل إن احدى نساء العائلة اختنقت بدموعها وهي تسأل أحد عناصر الأمن الفلسطيني: "أين كنتم في الأمس؟". لم يجد عنصر الأمن جواباً على سؤالها، سوى الابتعاد قدر الإمكان عن مرمى بصرها، ويختفي بين المشيعين.

لم يكن مركز الامن الفلسطيني يبعد سوى مئتي متر عن مسرح جريمة اغتيال وشحة، وعندما استنجد به المواطنين ليحتموا من قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص، وجدوه مغلقاً. ليست هذه المفارقة الوحيدة، فقوات الشرطة والأمن الفلسطيني، التي كانت تتقدم التشييع، وتمركزت بالقرب من بيت العائلة والمسجد، سمعت هتافات المواطنين الرافضة لـ"التنسيق الأمني والمفاوضات". وفي حادثة نادرة لم تحدث منذ سنوات، أطلقت رصاصات الغضب في الجنازة التي شارك فيها ملثمون، مضت سنوات طويلة ولم يشاهدهم أحد في أي تشييع لشهداء الضفة الغربية المحتلة.

الشهيد، ابن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، الذي سمع بقصة شهادته الآلاف من الشبان الفلسطينيين في كل مكان، بادروا لتبادل صوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فنشروا صورة لحذائه العسكري الذي لا يزال ملطخاً بدمائه، وصورة أخرى يبدو فيها معتز محلقاً بالهواء، التقطها له أحد أصدقائه عندما تحرر من المعتقل الإسرائيلي قبل ثمانية أشهر. ها هي الصورة تعود مجدداً، بعدما حلّق صاحبها بأسطورته الخاصة.

المساهمون