معبر رفح... المرور للمحظوظين

معبر رفح... المرور للمحظوظين

26 مايو 2018
الصورة
معبر رفح غير مجهز للمبيت (عبد الحكيم أبو رياش)
+ الخط -

تحتاج حافلة المسافرين، التي تحمل عادة ضعف عدد ركابها وتكون ممتلئة، إلى خمس دقائق على أكثر تقدير لتمر من البوابة التي تفصل ساحتي معبر رفح البري من الجهة الفلسطينية إلى المصرية، لكنها تأخذ في أوقات كثيرة أضعاف هذا الوقت لتصل وجهتها، من دون سبب واضح. ويجب على الحافلة التنسيق مع الجانب المصري قبل أن تدخل حرم المعبر من الناحية المصرية، ومن ثم يجري التدقيق في جوازات سفر المسافرين قبل أن يسمح لهم بالوصول إلى الصالة المصرية للمغادرة، والتي تبعد أقل من مائة متر عن البوابة، في إجراءات تحمل الكثير من التعقيد.

وفي داخل الصالة المصرية، ينطبق المثل "أنت وحظك" على المسافرين، إذ إنّ بعضهم قد يغادرها إلى داخل الأراضي المصرية خلال أربع ساعات على الأقل، وآخرين، وهم الأكثر عدداً، قد يبيتون فيها يومين متتاليين إلى حين تأمين الطرق من المعبر إلى مدينة العريش ومنها إلى القاهرة، وجهة أغلب الفلسطينيين الذين يغادرون القطاع الساحلي المحاصر، أو نتيجة دخول وقت حظر التجول، في ظروف إنسانية غاية في الصعوبة، إذ إن المعبر غير مجهز للمبيت. وقبل ذلك، يتم تجهيز المسافرين الفلسطينيين من صالة أبو يوسف النجار في مدينة خان يونس وإرسالهم إلى الصالة الفلسطينية في المعبر، وفق كشوف مسبقة للمسجلين، حيث يجري تسفير أصحاب الحالات الإنسانية والملحة والأسبق إلى التسجيل، إضافة إلى ما يعرف محلياً باسم التنسيقات المصرية.

لكن معبر رفح، ومنذ فتحه استثنائياً في 12 مايو/ أيار الحالي بقرار أحادي من مصر، يعاني مشكلة البطء في عمله بشكل غير مفهوم، وكذلك قلة أعداد المسافرين يومياً، بعكس الأيام التي كان يجري فيها فتحه استثنائياً في أوقات سابقة. ومن المقرر أنّ يبقى المعبر مفتوحاً حتى نهاية شهر رمضان، وفق ما أعلنت السلطات المصرية والرئيس عبد الفتاح السيسي على حسابيه في "تويتر" و"فيسبوك". ولا يعرف ما إذا كان سيبقى مفتوحاً بعد رمضان أم لا، وهو الاختبار الحقيقي للحديث المتكرر عن تسهيلات مصرية لمليوني فلسطيني في القطاع المحاصر. ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تدير السلطة الفلسطينية معبر رفح البري بعد استلامه من حركة "حماس" التي لا تزال تسيطر على المشهد الأمني والحكومي في غزة، لكن المعبر لم يشهد منذ ذلك الوقت أي تحسينات حقيقية لجهة أعداد المسافرين ولا زيادة أيام فتحه. ويُسهل عناصر السلطة الفلسطينية على معبر رفح السفر بشكل كبير أمام المسافرين، لكنهم لا يملكون أي قدرة حقيقية على تغيير وتحسين طريقة التعامل المصري مع المسافرين، كمن سبقهم في إدارة المعبر، ما يدحض ادعاءات أنّ التعامل المصري مع المعبر، بعقلية الإغلاق والتضييق، كان نتيجة وجود طرف غير السلطة الفلسطينية عليه.



ووفق "المكتب الإعلامي الحكومي" في غزة، فإنّ 4277 مسافراً غادروا المعبر منذ فتحه استثنائياً في 12 مايو حتى 22 الشهر الحالي، كان منهم 2496 يحملون "كشوف مسافرين" من تلك التي تعدها وزارة الداخلية في غزة، و708 يحملون جوازات سفر مصرية، و1073 يحملون "تنسيقات"، فيما بلغ عدد الممنوعين من السفر من قبل الأمن المصري 490 فلسطينياً. ويبلغ متوسط عدد المسافرين يومياً نحو 388 مسافراً، وهو عدد يقارب نصف الذين كانوا يسافرون عبر المعبر في أوقات سابقة، حين كان يعمل استثنائياً لثلاثة أو أربعة أيام كل عدة أشهر، لكن "الأسوأ" حالياً هو زيادة عدد التنسيقات (المدفوعة مالياً لجهات مصرية عبر وسطاء) للمسافرين ووصولها إلى نحو 25 في المائة من عدد المسافرين يومياً، وفي بعض الأحيان يزيد الأمر عن 50 في المائة من عدد المسافرين يومياً.

و"التنسيقات" يقوم بها طرفان، وسطاء من غزة ومسؤولون في مصر، وتكلف من 3 آلاف حتى 5 آلاف دولار للمسافر الواحد في أوقات الأزمات الأشد، وتنخفض إذا فُتح المعبر لفترات أطول لتصل إلى ألف دولار للمسافر الواحد أو حتى أقل. ويمكن أيضاً للممنوعين من دخول مصر لأسباب مختلفة، استصدار تنسيق يسمى "دون العرض"، ويعني مرور المسافر من دون ممانعة من جهازي المخابرات وأمن الدولة في معبر رفح، وهما الجهازان المسؤولان بشكل مباشر عن إرجاع المسافرين الفلسطينيين، لكن سعر هذا التنسيق قد يصل إلى عشرة آلاف دولار، وفي حالات أخرى أكثر من ذلك.
ويقوم مشغّلو المعبر المصري يومياً بإرسال كشف بأسماء أصحاب "التنسيقات" إلى الجانب الفلسطيني، ويكون ملزماً للفلسطينيين دخول أصحاب "التنسيقات" قبل المسافرين الآخرين، وإذا ما اعترض الفلسطينيون على ذلك، يمكن أن تصل الأمور إلى إغلاق جزئي للمعبر حتى إدخال مسافري "التنسيقات".

وبات كثير من الفلسطينيين يرفضون السفر عبر معبر رفح البري في هذا الوقت، خشية من العراقيل وطول وقت السفر والوصول إلى القاهرة أو مطارها، إذ كان يستغرق الوصول إلى القاهرة، في أسوأ الأحوال، قبل أحداث سيناء الأخيرة، نحو 6 ساعات سفر بالسيارة، لكنه اليوم، ومع الظروف الأمنية والتعقيد في التفتيش، يأخذ أكثر من 12 ساعة على أقل تقدير، ويمكن أن تصل إلى 16 ساعة. ورغم أنّ الحاجة ماسة لآلاف الفلسطينيين للسفر إلى خارج قطاع غزة، لكن كثيرين منهم باتوا يتجاهلون فكرة السفر في ظل الظروف الصعبة في المعبر وعلى الطريق الذي يغادرون منه إلى الأراضي المصرية، خصوصاً أنّ الكثير من المسافرين عادة يكونون من كبار السن وأصحاب الحاجات الملحة. ومنعت مصر قبل أيام طلاباً من غزة، حصلوا على منحة من الحكومة التركية للدراسة في إحدى جامعاتها، من العبور إلى مطار القاهرة والسفر إلى وجهتهم. ويبدو أنّ القرار جزء من التصعيد بين الطرفين المصري والتركي الذي دفع ثمنه هذه المرة طلبة من القطاع حصلوا بطرق رسمية وتنافسية على منح جامعية مغطاة بالكامل.

ومنذ فتح مصر معبر رفح، غادر ثلاثة جرحى فقط من مصابي مسيرات العودة إلى أراضيها لتلقي العلاج في مستشفياتها. ولم تسمح مصر لعدد من الجرحى بالمرور عبر أراضيها إلى المستشفيات نتيجة عدم حصولهم على جوازات سفر فلسطينية، حتى ولو كانت حالاتهم صعبة للغاية. وليس من السهل حصول سكان غزة على جوازات سفر من السلطة الفلسطينية، إذ إن الإجراءات بحاجة إلى أسبوعين على الأقل، في ظل إصدارها في رام الله وإرسالها إلى غزة بالبريد، إضافة إلى أنّ العشرات في القطاع ممنوعين من الحصول على جوازاتهم بقرارات سياسية وأمنية نتيجة للانقسام السياسي الفلسطيني. وتعجز السلطات، في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، عن تسهيل استصدار جوازات سفر لعشرات الجرحى من ذوي الحالات الخطرة والمهددين بفقد أعضائهم نتيجة إصاباتهم المباشرة على مدار الخمسين يوماً الأخيرة من عمر مسيرات العودة، ما يحول دون تلقيهم العلاج المناسب الذي تفتقده مستشفيات غزة، التي تعاني أوضاعاً غاية في الصعوبة سبقت المسيرات رغم بعض المساعدات الصحية التي وصلت للقطاع في الأسبوع الأخير.

المساهمون