معبر البوكمال: ترسيخ الهيمنة الإيرانية على الشرق السوري

01 أكتوبر 2019
الصورة
افُتتح المعبر بعد 7 سنوات على إغلاقه(معاذ الدليمي/فرانس برس)
+ الخط -


خطت إيران خطوة واسعة باتجاه ترسيخ نفوذها في شرقي سورية من خلال افتتاح معبر البوكمال السوري ـ معبر القائم العراقي، في منطقة تخضع بالكامل لمليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني، من المرجح أن يكون بوابة عسكرية إيرانية إلى سورية أكثر من كونه معبراً تجارياً. لطالما سعت إيران إلى تكريس ممر بري طويل، يبدأ من أراضيها وينتهي بلبنان، مروراً بالعراق وسورية، ويبدو أن المعبر يعد اللبنة الرئيسية في هذا المشروع الذي يحاول الجانبان الإسرائيلي والأميركي تقويضه، من خلال شن هجمات جوية على مواقع تمركز المليشيات الإيرانية في ريف دير الزور الشرقي.

وأعلن النظام السوري أمس الاثنين، إعادة افتتاح معبر البوكمال - القائم الحدودي مع العراق، بعد أكثر من 7 سنوات على إغلاقه. وذكرت وكالة "سانا" الرسمية التابعة للنظام أن "الجهات المعنية بإدارة المعبر وتنظيم العبور، أنهت جميع الترتيبات والتحضيرات لإعادة فتح مركز البوكمال ـ القائم الحدودي مع العراق ليكون بوابة العبور الرئيسة بين البلدين". وكانت هيئة المنافذ الحدودية العراقية أعلنت منذ أيام موافقة الحكومة العراقية على افتتاح معبر القائم ـ البوكمال أمام حركة نقل البضائع والأشخاص بعد استكمال كل الإجراءات المطلوبة.

وكان الجيش السوري الحر سيطر على معبر البوكمال الحدودي منتصف عام 2012، العام الذي شهد سيطرته على أغلب المعابر الحدودية مع العراق وتركيا، عقب انسحاب قوات النظام منها. وقبل الثورة السورية التي بدأت في عام 2011 كان هناك ثلاثة معابر رئيسية بين العراق وسورية، هي البوكمال ـ القائم، ومعبر اليعربية الذي يقابله ربيعة في الجانب العراقي، والذي تبادل الجيش السوري الحر السيطرة عليه مع قوات النظام خلال عام 2012، قبل أن يحاول تنظيم "داعش" السيطرة عليه خلال عامي 2013 و2014، إلا أنه فشل في ذلك، فسيطرت عليه فصائل كردية في أكتوبر/تشرين الأول 2014، ولا يزال خاضعاً لها حتى الآن. والمعبر الثالث هو التنف الذي يقابله الوليد في الجانب العراقي، والذي سيطر عليه تنظيم "داعش" منتصف عام 2015 بعد انسحاب قوات النظام منه، إلا أن الجيش السوري الحر سيطر عليه في مارس/ آذار 2016، ليتحول بعد ذلك إلى قاعدة عسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. والمعبر كان رئيسياً بين العراق وسورية وكان يشهد حركة تجارية نشطة قبل عام 2011.

وتحتل مليشيات إيرانية مدينة البوكمال وريفها منذ أواخر عام 2017 عقب القضاء على تنظيم "داعش" الذي ظل مسيطراً على المنطقة سنوات، مع إزالته الساتر الترابي بين البلدين في ذروة اندفاعه في عامي 2014 و2015. في المقابل تسيطر مليشيات "الحشد الشعبي" العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني على معبر القائم منذ أواخر عام 2017 إثر القضاء على تنظيم "داعش" في المنطقة الحدودية بين سورية والعراق. ولا تقتصر سيطرة المليشيات الإيرانية في سورية على مدينة البوكمال وريفها فقط، إذ يسيطر حزب الله ومليشيات "حيدريون" و"فاطميون" و"زينبيون" على مدينة الميادين، غربي البوكمال. وكلتا المدينتين تقعان على الضفة الجنوبية من نهر الفرات الذي يقطع محافظة دير الزور إلى نصفين، تسيطر "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) على جزئه الشمالي في مقابل سيطرة المليشيات الإيرانية وقوات النظام التي تسيطر على مدينة دير الزور مركز المحافظة، في الجزء الجنوبي. وكانت ذكرت مصادر محلية منذ أيام أن المليشيات الإيرانية تعزز وجودها العسكري في مدينتي البوكمال والميادين، مؤكدة أنها نشرت أسلحة ثقيلة، وتعمل على إنشاء قواعد عسكرية جديدة.



ويعد افتتاح المعبر تتويجاً لمساعٍ إيرانية حثيثة للسيطرة الكاملة على الشرق السوري، في سياق سياسة إيرانية واضحة هدفها فتح ممر بري يبدأ من طهران، ويمر بالعراق وسورية وينتهي على ساحل المتوسط في العاصمة اللبنانية بيروت. وحققت إيران من خلال هذا المعبر جزءاً كبيراً من استراتيجيتها على هذا الصعيد، إلا إذا كان لإسرائيل والولايات المتحدة كلام آخر. ونشطت في الآونة الأخيرة الهجمات الجوية المجهولة على مواقع المليشيات الإيرانية في شرق سورية، التي يُعتقد أن الطيران الإسرائيلي والأميركي من ينفذها. وآخر هذه الهجمات كان في 18 سبتمبر/أيلول الماضي، حين شنّت طائرات مجهولة غارات جوية عدة على مواقع المليشيات الإيرانية بالقرب من مدينة البوكمال. وسبق أن أغار طيران مجهول مطلع سبتمبر على قاعدة "مجمع الإمام علي" العسكرية الإيرانية الكبيرة في البوكمال ودمّرها، كما شملت الضربات المنطقة الصناعية في البوكمال، خصوصاً مليشيا "حيدريون" وجزء من قوات حزب الله. ويُعتقد أن مستودع الذخيرة في الصناعية قد دُمّر بالكامل.

ومن الواضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية والأميركية في الشرق السوري تتمحور حول عدم إتاحة الفرصة للإيرانيين لتثبيت أقدامهم العسكرية والاقتصادية في المنطقة، لخلق وقائع على الأرض من الصعب تجاوزها في أي تسوية مقبلة للقضية السورية. من جانبه، يرى رئيس تحرير موقع "الشرق نيوز" فراس علاوي في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "من الناحية التقنية لا يضيف افتتاح المعبر جديداً لعمليات نقل القوات (المليشيات العراقية والإيرانية) ومعداتها العسكرية"، موضحاً أن هذه المليشيات "تستخدم معابر أخرى عسكرية على طول الحدود للتنقل بين البلدين وعمليات التهريب". ويعتقد علاوي أن "الافتتاح له رسائل سياسية"، مضيفاً: الإعلان عن افتتاح المعبر بدعم إيراني يحمل رسالة للولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين استهدفتا المنطقة بغارات جوية عدة في أوقات متفرقة، بأن إيران ماضية بمشروعها في سورية، فضلاً عن كونها رسالة سياسية داعمة لنظام الأسد في محاولات تعويمه مجدداً في المحيط العربي.

وصرف الإيرانيون خلال العامين الماضيين الحالي اهتمامهم على ريف دير الزور الشرقي، فنشروا قوات كبيرة فيه بعد نزوح عدد كبير من سكانه مع سيطرة الإيرانيين والنظام على المنطقة، باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" خشية تعرضهم لعمليات انتقام من قبل المليشيات الإيرانية. وتحاول إيران استمالة من بقي من السكان ونشر المذهب الشيعي بين صفوفهم. وأكدت مصادر محلية أن الإيرانيين افتتحوا مدرستين بالبوكمال لتعليم الأطفال اللغة الفارسية، مؤكدة أن "المليشيات الإيرانية تدفع رواتب للأطفال ليقبلوا على تعلم اللغة الفارسية"، موضحة أن "هذه المليشيات تمنع عودة الأهالي إلى منازلهم في البوكمال من دون كفيل". وكان قائد "فيلق القدس" بالحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، زار منتصف العام الحالي شرقي سورية، وعقد اجتماعاً في مزرعة بالبوكمال تضم داخلها مبنىً كان يُستخدم مسكناً للمهندسين في البوكمال، وأصبح فيما بعد مقراً للحرس الثوري الإيراني.



المساهمون