معايرة اللبنانيات بـ"الشرف"

16 أكتوبر 2019
الصورة
لبنانيتان على شاطئ صور (فرانس برس)
تنتشر في العالم العربي صورة شبه عامّة ومعمّمة عن المرأة اللبنانية، وهي صورة تبدأ من المرأة المتحررة والمستقلة، وتنتهي ببائعة الجنس (عاهرة في التعبير الشعبي المتداول). تجد هذه الصورة جذوراً اجتماعية، وتاريخية، مرتبطة بتحرر لبنانيات كثيرات بطريقة لباسهن، وكلامهنّ، ومجاهرتهنّ بعلاقاتهن العاطفية. إلى جانب عوامل عامة، مثل الاختلاط بين الذكور والإناث المنتشر في المؤسسات التربوية وأماكن العمل، مقارنة بدول عربية أخرى... 

لكن أيضاً تستقي هذه الصورة أساسها من عمل عدد لا بأس به من اللبنانيات (حالهن كحال كل الجنسيات العالمية الأخرى) في بيع الجنس، في لبنان وفي بعض الدول العربية. 

تترجم هذه الصورة بشكل واضح في الأعمال الفنية العربية، الدراما والسينما تحديداً، التي غالباً ما تصوّر اللبنانية بصورة جنسية فجّة. نرى ذلك تحديداً في الدراما المصرية الحديثة، ونراها أيضاً في تعليقات (يفترض أنها نُكت) من فنانين عرب، عند حديثهن عن المرأة اللبنانية. 

السياق الجنسي في تصوير المرأة اللبنانية بقي سياقاً عربياً (خليجياً ومصرياً) لسنوات طويلة، لكنّه في العقد الأخير تحوّل إلى محور للخطاب السياسي المحليّ. مع احتدام الانقسام بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005، ثمّ عدوان تموز/ يوليو 2006، بدأ الخطاب المحليّ يستعين بـ"شرف" النساء، العاملات في الشأن العام، سياسيات كنّ، أم صحافيات، أم ناشطات على مواقع التواصل، لكسب نقاط سياسية. ووصل هذا الخطاب إلى ذروته ليلة أمس، عندما هاجم وزير المهجرين غسان عطالله، النائبة بولا يعقوبيان، في لقاء تلفزيوني، متهماً إياها بالوصول إلى منصبها بطريقة "لا أخلاقية". الوزير الغاضب والمجروح في ذكوريّته، بعد طرده من تجمّع للناشطين الذين كانوا يساعدون المواطنين الهاربين من الحرائق العنيفة التي ضربت لبنان، قرّر استعادة هيبته بالهجوم على نائبة ــ امرأة، من دون أي نقاش سياسي.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها يعقوبيان لهجوم ذكوريّ من قبل "التيار الوطني الحرّ" الذي ينتمي إليه عطالله. بل سبق أن هاجمها صحافي يدعى جوزيف أبو فاضل (من أبرز وجوه العهد الحالي)، بالطريقة نفسها، واصماً إياها بطريقة غير مباشرة بـ"العهر". 

التيار الذي تباهى قبل شهر بتعيين أكثرمن امرأة في مناصب سياسية أساسية في قيادة الحزب، بات يستخدم اللغة الذكورية الكسولة في مواجهة خصومه، ليس فقط في الإعلام، بل على مواقع التواصل أيضاً. فنرى مثلاً جنون لجانه الإلكترونية على "تويتر" عند الردّ على أي مغردة تنتقد عهد رئيس الجمهورية ميشال عون، أو رئيس التيار وزير الخارجية جبران باسيل.

لكن خطاب "عهر النساء" ليس حكراً على التيار إياه، بل فعلها نائب تيار "المستقبل" معين المرعبي مع الإعلامية ليندا مشلب على قناة NBN عام 2017. وفعلها النائب عن التيار نفسه وليد البعريني مع مديرة الأخبار في قناة "الجديد" مريم البسام عام 2018. وفعلها المرشح للانتخابات النيابية رجا الزهيري مع مراسلة MTV نوال بري عام 2018 أيضاً، ويفعلها مغردون مؤيدون لحزب الله وحركة أمل بشكل شبه يومي مع الإعلامية ديما صادق على "تويتر".

يهرب السياسيون اللبنانيون من تحمل مسؤولية فشلهم في إدارة البلاد منذ عام 1990 حتى اليوم، برفع سقف الخطاب الشعبوي، واستهداف الفئات الاكثر ضعفاً: اللاجئين السوريين والفلسطينيين، العاملات المنزليات الأجنبيات... والنساء اللبنانيات. هؤلاء اللواتي تبقى صورتهنّ "المتحررة" و"المستقلة" في العالم العربي، مجرّد أسطورة في الداخل.

فاللبنانيات أكثر من يعرفن أنّ حريّتهن مجرّد أداة تسويق لصورة لبنان "سويسرا الشرق". 
ليس للبنانية قانون فعّال يحميها من العنف الأسري، ولا من القتل تحت حجة "الشرف". ليس لها قانون مدنيّ يتيح لها الحفاظ على حضانة أطفالها بعد الطلاق، ولا قانون يسمح لها بمنح جنسيتها لأطفالها. تتعرّض اللبنانية لحملات تنمّر وتهديد في حال اختارت خلع حجابها، وهو ما حصل قبل أيام مع الصحافية جنى الدهيبي.

تتحكّم الشهوة الجنسية في رسم صورة المرأة اللبنانية منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم.
تخرج حياتها الخاصة وجسدها من حميميتهما، لتصبحا مشاعاً معروضاً للنقاش، وللخروج بخلاصات وأحكام اجتماعية.

قد تكون المرأة ما تريد، هذا حق وليس محوراً لنقاش عام. أمّا استخدام صفات "العهر" و"اللاأخلاق" لإحراج الخصم سياسياً، فهلوسات للمفلسين في السياسة وأخلاقيات العمل العام.





دلالات