معادلة هندية لباكستان: بلوشستان مقابل كشمير

معادلة هندية لباكستان: بلوشستان مقابل كشمير

12 سبتمبر 2016
الصورة
توتر الوضع في كشمير أخيراً (ساجّاد حسين/فرانس برس)
+ الخط -
تتوسع آفاق الصراع الهندي الباكستاني بسبب تطورات أخيرة شهدتها الساحة الهندية، متعلقة بباكستان والمنطقة. أبرز تلك التطورات تمحور في قرار المحادثات الثلاثية بين الهند وأفغانستان والولايات المتحدة بشأن المنطقة وأمن أفغانستان، فضلاً عن تصريحات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي النارية، التي اعتبرها المحللون بداية صفحة جديدة من الصراع بين الجارتين، مفادها أن الهند ستثير ما يجري في بلوشستان الباكستانية في كافة المحافل الدولية، وكأن مودي يودّ طرح معادلة "الصراع في إقليم بلوشستان مقابل الصراع في الشطر الهندي من إقليم كشمير".

وقد أثارت كل تلك التطورات وتصريحات مودي خصوصاً، ضجة كبيرة في الأوساط الشعبية والإعلامية الباكستانية، وأحدثت حراكاً في الأوساط السياسية والعسكرية، التي تخشى منذ فترة أن توسع الهند نفوذها في مناطق شمال باكستان وجنوب غربها، عبر توطيد علاقاتها بأفغانستان، بهدف إرباك أمن البلاد، على حد وصف إسلام أباد.

وكان قائد الجيش الباكستاني الجنرال راحيل شريف، آخر من تحدث بشأن تصريحات مودي، يوم الخميس، معتبراً أن "على الهند أن تعي أن باكستان يمكنها أن تقوم بخطوات أبعد مما يتصورها العالم، لأجل الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعليها ألا تلعب في النار". واعتبر شريف أن "باكستان تدرك جيداً مؤامرات رئيس الوزراء الهندي واستخبارات بلاده"، مشدّداً على أن "القوات المسلحة الباكستانية كما أفشلت مؤامرات الإرهابيين واقتلعت جذورهم في البلاد، فإنها ستواجه جميع المؤامرات بكل نجاعة وجرأة". وقد تحدث شريف في إقليم غلغت ـ بالتيستان، إحدى المناطق التي أشار إليها مودي في تصريحاته الأخيرة، قائلاً "سنرفع ملف المظالم الباكستانية في بلوشستان وغلغت ـ بالتيستان".

من جهته، اعتبر عالم الدين المشهور في باكستان، والمعروف بأب "طالبان أفغانستان" المولوي سميع الحق، زعيم جمعية علماء باكستان، أن "استقلال باكستان ناقص، ولا بد من إكماله باستقلال كشمير من قبضة الهنود". كما كررت الخارجية الباكستانية خلال الأيام الماضية أكثر من مرة، أن باكستان ستقف جنباً إلى جنب مع الشعب الكشميري للحصول على حقوقهم، وحلّ معضلة كشمير وفقاً لتعليمات مجلس الأمن. مع العلم أن الصراع بين الدولتين على إقليم كشمير بدأ منذ عقود، لكن الجديد في الموضوع هو قرار الهند بأن يكون ملف إقليم بلوشستان الباكستاني، الذي يعاني من العنف المستمر المتمثل في الحركات الانفصالية البلوشية والحرب الطائفية، وتعدد الجماعات المسلحة، مقابل ملف إقليم كشمير، حسبما تهدف إليه تصريحات مودي.



على الضفة الأخرى، يستمر حظر التجوال في إقليم كشمير منذ أكثر من خمسين يوماً، وقد أدت المواجهات بين المتظاهرين خلال تلك الفترة إلى مقتل أكثر من 60 شخصاً، وتدعي نيودلهي أن "جماعات مسلحة اتخذت من باكستان مقراً لها، هي من تقف وراء العنف السائد في إقليم كشمير".

حالة الغضب إزاء تصريحات مودي لم تكن مقتصرة على الشريحة السياسية، بل تعدتها إلى أطياف الشعب وألقت بظلالها على العلاقات الباكستانية الأفغانية. في إقليم بلوشستان، المحاذي لأفغانستان سُيّرت تظاهرات حاشدة، نددت بالموقف الهندي إزاء الملفات الداخلية الباكستانية. الملفت هو التظاهرات على الحدود الأفغانية الباكستانية، والتي تحولت إلى حالة من العنف، بعد إقدام متظاهرين أفغان، الذين خرجوا رداً على التظاهرات الباكستانية، بإحراق الأعلام الباكستانية والهجوم على البوابة بين الدولتين.

بدوره، أكد الجانب الباكستاني أن تلك التظاهرات نُظّمت لأجل الدفاع عن الموقف الهندي، لكن أفغانستان اتهمت باكستان بالاستفزاز، وانتقدت بشدة تنظيم تظاهرات باكستانية على الحدود مع أفغانستان ورفع هتافات ضد رموز الحكومة الأفغانية، في حين أنها كانت تظاهرة ضد الهند، أدت إلى إغلاق الحدود بين الجارتين أياما عدة.

الأميركيون في المنطقة ينوون عقد مفاوضات ثلاثية بين الهند وأفغانستان والولايات المتحدة، بشأن تعزيز التعاون بينها حول قضايا إقليمية ودولية مهمة، وإيجاد حل للمعضلة الأفغانية. في هذا الصدد، أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أثناء مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرته الهندية سوشما سواراج، خلال زيارته الأخيرة لنيودلهي، الشهر الماضي، أن "الهدف من وراء انعقاد الحوار الثلاثي تعزيز التعاون بينهم حول قضايا إقليمية مهمة". في المقابل، يعارض أصحاب القرار في باكستان أي خطوة تؤدي إلى استيلاد دور للهند في أفغانستان. لذلك فإن التقارب الهندي الأفغاني من جهة، وإقرار وتأكيد الولايات المتحدة على دور الهند في المعضلة الأفغانية من جهة أخرى، قد أقلق إٍسلام أباد.

لقد اهتمت وسائل الإعلام الباكستانية بالحوار الثلاثي، لا سيما إعادة وزير الخارجية الأميركي مطالبة بلاده إسلام أباد بالعمل الجاد ضد التنظيمات المسلحة التي تعبث بأمن المنطقة، لا سيما الهند وأفغانستان، والتي تتخذ من باكستان مقرا لها.




تزامن الإعلان عن الحوار مع زيارة قائد هيئة الأركان العامة للجيش الأفغاني قدم شاه شهيم إلى الهند، واستقبلته القيادة العسكرية الهندية بحفاوة، مبدية استعدادها الكامل للتعاون العسكري مع أفغانستان. الزيارة التي استغرقت أربعة أيام من هذا الأسبوع لاقت اهتماماً كبيراً في كل من الهند وباكستان وأفغانستان. وقد وصفت نيودلهي الخطوة بـ"المهمة لتعزيز العلاقات العسكرية بين الدولتين"، بينما اعتبرتها أفغانستان "نجاحاً كبيراً لها". إلا أن إسلام أباد عدت الزيارة "انتكاسة" لأمن المنطقة، لأن الهند تحاول من خلال نفوذها في أفغانستان، تحديداً بالقرب من الحدود الباكستانية الأفغانية، "إرباك أمن باكستان" وفق إسلام أباد.

مع ذلك ثمة من ألقى باللائمة على إسلام أباد نفسها، إذ أن سياستها هي السبب في التقارب الهندي الأفغاني. في هذا الإطار، لفت الإعلامي الباكستاني نجم سيتهي، إلى أن "سياسات باكستان إزاء أفغانستان تُعدّ أحد أبرز أسباب التقارب بين الهند وأفغانستان، وإن تواجد قيادات طالبان أفغانستان في الأراضي الباكستانية أمر غير مفهوم".

أما في شأن النفوذ الهندي على الحدود مع أفغانستان، من خلال دعم الجماعات الانفصالية البلوشية، فإنه أمر لا يقلق باكستان بقدر ما يقلقها الزعم السائد في البلاد بشأن حصول بعض الجماعات الداخلية على دعم الاستخبارات الهندية.

في هذا السياق، ادّعى أكثر من مسؤول سياسي وعسكري في باكستان، بأن "الحركة القومية المتحدة التي يتزعمها إلطاف حسين، تحصل على الدعم من جهاز الاستخبارات الهندية، وقد اعتُقل العديد من القيادات، ونُشر اعترافهم بهذا الشأن". كما أن حسين وجّه نداءً أخيراً، لأتباعه في مواجهة السلطات الباكستانية، فجّر صراعاً جديداً في البلاد.

وتثير "الحركة القومية المتحدة" قلق إسلام أباد، لكونها سليلة "حركة المهاجرين"، التي شكّلها المهاجرون من الهند عند استقلال باكستان (1947). وإن صح فعلاً ارتباط الحركة بالاستخبارات الهندية، فستكون أخطر ملف داخلي في باكستان، لا سيما أن محاولات قمع هذه الحركة، قد فشلت على مر العقود الماضية.


المساهمون