معاجم الفلاسفة.. أكثر من تجميع سير

17 سبتمبر 2018
الصورة
(تمثال لـ ابن رشد في قرطبة، تصوير: آنا راي)
+ الخط -

من بين المعاجم المُختصّة، المتوفّرة في المكتبة العربية، على تفاوتٍ في الجودة والأصالة، تلك التي تُعنى بالتعريف بالفلاسفة وإنجازاتهم الفكرية؛ فالكتابة في سِيَر هذه الفئة من المثقّفين، قطاعٌ معرفيّ عريق في التراث العربي، كانت تُتناول ضمن تصانيف أشمل، مثل أدبيات الفِرق، ومن أشهرها: "الملل والنِّحَل" لعبد الكريم الشهرستاني و"الفِصَل في الملل والأهواء والنِحل" لابن حزم الأندلسي. وأما "فهرست ابن النديم"، فأعرق منهما، وهو من أقرب المؤلّفات التراثية موضوعيةً في الترجمة للفلاسفة وأصحاب "العلوم القديمة"، أكانوا مسلمين أو من دياناتٍ أخرى.

وفي عصور انحسار الفكر الفلسفي، خبا هذا الجنس من التأليف قبل أن يُستعاد من جديد في مرحلة النهضة، حين صار "الفلاسفة" العرب من بين روّاد التجديد، رغم "الشبهات" التي ظلّت تلاحقهم، إذ وصمهم بعض المحافظين بـ"الإلحاد"، وهذا من تبعات التأليف في الفلسفة عموماً، وليس خاصّاً بالتأليف المعجمي.

ولذلك، عادت، في الفترة المعاصرة، مثل هذه المعاجم بعد أن عرفت تحوّلاً كبيراً في أسئلتها ووسَّعت حقول بحثها، فشملت، علاوة على التعريف بقدماء الفلاسفة المسلمين والإغريق، مفكّري الغرب منذ عصر النهضة الأوروبية حتى الآن. ولكن غلب على إنتاج هذه المرحلة، الأسلوبُ التقليدي مع نزعة تبسيطية، يُجسّدها مثلاً كتاب "أعلام الفلسفة العربية"، (1957) لكمال اليازجي وأنطون غطاس-كرم اللذين أنجزا دراساتٍ عامّة عن الفلاسفة، وانتقيا لهم نصوصاً بوّبوها وشرحوها، وهي تغطي العصر الوسيط حتى ابن خلدون، مؤكّدَين دورَ الإسهام العربي في نهضة الغرب اللاتيني.

وفي نفس هذا السياق، الذي تهيمن عليه النزعة المدرسية، يُمكن أن ندرج كتاب "المعجم الفلسفي"، (1971) لمراد وهبة ويوسف كرم- شلالة، وهو أشد تبسيطاً في بعض مواضعه: مصطلحاته عامّة، وتعاليقه مُيسّرة. وتختلط فيه سير كتّاب الفلسفة بعلماء النفس وغيرهم.

ودائماً، بنفس هذه النزعة المدرسية التي تختزل معاجم الفلاسفة في سردٍ تاريخي للسير، كتب خَلف جراد "معجم الفلاسفة المختصر"، (2007) وهو يشتمل على جذاذات قصيرة لمائتَين وخمسين شخصية فلسفيّة عالمية، منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا. وقد تحرّى فيه الكاتب بساطة العرض وسهولة الأسلوب، وحرص على عدم الغوص في تفاصيل آراء الفلاسفة ومذاهبهم الفكرية، مؤكّداً أنَّ عمله ليس إلا دليلاً أولياً يساعد على قراءة مؤلّفاتهم. غير أنَّ الكاتب توسّع نسبياً في ترجمة أعلام الفلسفة العربية الإسلامية، بما أنَّ معجمه موجَّه إلى القارئ العربي.

وفي السنوات الأخيرة، تعدّدت الكتب الجماعية التي تحاول تقديم فلاسفة الغرب، متّبعةً مبادئ هيكلة المعاجم وترتيبها، لكن من دون التقيّد الصارم بشروطها المنهجية، فاقتصرت على تجميع مقالات حول عدد من الفلاسفة، بحيث يمسحون مشهداً فكرياً إجمالياً، ونذكر منها: "الفلسفة الألمانية والفتوحات النقدية" (2014)، و"الفلسفة الفرنسية المعاصرة" (2015)، و"معجم الفلاسفة الأميركان من البراغماتيين إلى ما بعد الحداثيين" (2015).

ورغم أن معظم هذه الأعمال أُنجز تحت إشراف أكاديميّين مختصّين، في إصدارٍ لأربع دور نشر عربية، إلا أنها طفحت بالكثير من أخطاء الترجمة، إضافة إلى عدم اهتمامها بتوحيد نقل المصطلحات إلى العربية وطريقة رسم أسماء الفلاسفة (أحيانا ضمن المتن الواحد)، كما لم تضع معايير صارمة في اختيار الشخصيات، إلى جانب تقيّد بعضها بترتيب تواريخ ولادة الفلاسفة، وليس وفق الحروف الأبجدية، مع غياب لافتٍ لأية ملاحق زمنية، اصطلاحية أو مفاهيمية.

ذلك غيضٌ من فيض الإشكاليات التي تحفُّ بالمعاجم المخصصة للفلاسفة وسِيَرهم في الثقافة العربية. وهي تضاف إلى مآخذ أخرى، لعل أبرزها الاتّكاء على نقل معلومات من الموسوعات الفلسفية العالمية، خصوصاً الإنكليزية والفرنسية؛ فلا نجد فيها أثر البحث المباشر أو الاستقصاء في آثار الفلاسفة ذاتها، بمعنى أنَّ المؤلّفين العرب اعتمدوا على مصادرَ من الدرجة الثانية واكتفوا بالنقل الحرفيِّ منها، عوض العرض التحليلي والنقدي لما أنتجه هؤلاء المفكّرون لربط مدارسهم وتياراتهم بعضها ببعض، وربما لبيان تأثيرهم في الفكر العربي.

ومن جهة أخرى، تطغى النزعة التعليمية على هذه المجاميع المعجمية، فجلّها موجَّهٌ، في الأصل، إلى الأساتذة والطلاب، لسد حاجتهم العاجلة إلى معلوماتٍ عامة، تُستخدم في شرح النصوص المقرّرة في البرنامج أو لبيان سيرة فيلسوفٍ ما. كما تعاني هذه المعاجم من غياب خط منهجي جليٍّ في تعيين مرجعيات المُترجَم لهم واتجاهاتِهم. فقد جُمعت، بين دفّاتها، سيرُ فلاسفة العالم بأسره، على تباين تياراتهم وتضاربها، من إسلامية ويونانية وغربية، مثالية وواقعية، مادية ونظرية... في نفس المتن، من دون مراعاةٍ لأية خصوصية فكرية أو نسقيَّة. ولا شكَّ أنَّ هذا المأخذ وليد اعتماد مفهوم فضفاض للفلسفة، ناتجٍ بدوره عن غياب مقاييس ثابتة في اختيار الأسماء والتيارات والمضامين، إذ تشمل هذه المعاجم أحياناً سيراً لفنّانين وأدباء وأطباء وشخصياتٍ أخرى، صِلَتُها بالفلسفة باهتة أو شبه منعدمة.

وأما من جهة الأسلوب، فيغلب على هذه الكتب العرض السردي لتواريخ الفلاسفة والخلط بين مستويات سِيَرهم، فهي تتضمّن، في المادة نفسها، معلوماتٍ، متفاوتة القيمة، عن المسار الشخصي والفلسفي والسياسي. ورغم إدراكنا صعوبة الفصل بين هذه المستويات، فإنَّ التمييز بينها يظل ضرورة منهجيّة لفهم نتاج الشخصية المدروسة.

وأخيراً، تعاني بعض المعاجم من غياب طريقة واضحة في الترتيب، فأحياناً تُرتَّبُ موادها حسب الأسماء الأجنبية، وليس حسب مقابلها من الحروف العربية، وهذا النهج وإن كان مشروعاً، قد يخفي خللاً كبيراً بسبب التفاوت في نطق تلك الأسماء وطريقة كتابتها من لغة إلى أخرى.

وهكذا، يجدر بنا النظر إلى معاجم الفلاسفة كضرورة معرفيَّة ومجتمعيَّة، أكثر منها نشاطاً مدرسياً أو جامعيًاً، تُمليها الحاجة إلى فهم الدور الذي يضطلع به الفلاسفة في نسيجهم التاريخي ومدى إسهامهم، مِن عدمه، في تغييره، وربما تثويره. وقد يُسهم ربط الآثار الفلسفية بأصحابها، ليس فقط في وعي نظرياتهم وبناءاتهم المجرّدة، بل وفي استنطاقٍ إشكاليٍّ لحضور "الفيلسوف في المدينة" وطرق تأثيره فيها. آنذاك يصبح التأريخ للفلاسفة جزءاً من الالتزام الثقافي، الفاعل في الواقع، وتصبح معاجمهم مكنزاً لتصنيف أنماط حضورهم فيه. وهذا من مهمّات العقل النقدي المنخرط في التاريخ.

دلالات