معابر الأردن البرية... ثغرة "العمري" تهدد بنشر كورونا في المملكة

عمان
أنصار أبوفارة
14 سبتمبر 2020
+ الخط -

يقرّ الدكتور فراس الفاعور، نائب محافظ الزرقاء (تقع شمال شرقي عمّان)، بأن معبر العمري البري، التابع إداريا للمحافظة، بات مصدراً أساسياً، يهدد بنقل عدوى فيروس كورونا المستجد إلى أرجاء المملكة، إذ تسجل إصابات متكررة بشكل شبه يومي بين سائقي الشاحنات الأردنيين والأجانب ممن يصلون إلى المنفذ الرابط بين الأردن بالسعودية ودول الخليج، معتبرا أن عدم التشدد في ضبط المعبر سيؤدي إلى تفاقم الوضع الوبائي في البلاد.

خطر انتشار العدوى في الأردن من خلال المعابر البرية، وخاصة "العمري" الذي تمر عبره 50% من الحركة التجارية من وإلى الأردن بحسب بيانات هيئة تنظيم النقل البري، عاد إلى الواجهة من جديد، عقب تسجيل 23 إصابة بكوفيد-19 في المعبر بتاريخ 19 أغسطس/آب 2020 من بينها إصابة لسائق شاحنة أردني، و22 عامل تحميل، بينهم 18 مصريا، وعاملان باكستانيان، وآخران أردنيان، وفق ما أعلنه وزير الصحة الدكتور سعد جابر خلال مؤتمر صحافي.

وسبق ذلك انفجار عدد الإصابات المسجلة في الأردن بسبب سائقي شاحنات ومخلّصين وموظفين عاملين في معبر جابر- نصيب الذي يربط الأردن بسورية، وفقاً لما كشفه رئيس الحكومة عمر الرزاز، عقب تسجيل إصابة لحالة كانت مخالطة لأحد موظفي "جابر" بمدينة إربد، في 7 أغسطس، بالرغم من أن العمل في معبر جابر، يجري وفق نظام المناولة (نقل حمولة الشاحنة القادمة إلى الأردن لأخرى تتولى إيصالها إلى وجهتها) منذ فرض الحظر الشامل في المملكة في 18 مارس/آذار.

وباتت "الحدود البرية نقاط ضعف بالنسبة للأردن"، وفق ما قاله رئيس اللجنة الوطنية للأوبئة الدكتور نذير عبيدات في 10 أغسطس الماضي. هذه الحال، دفعت حكومة الرزاز، إلى إجراء تنقلات بين المسؤولين في معبر العمري، منعا لحدوث أي تجاوزات تؤثر على الحالة الوبائية في المملكة، وفقاً لما نُشر على الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء في 15 أغسطس المنصرم، وأوكلت مهمة التنسيق بين الجهات المعنية ومحافظة الزرقاء للدكتور فراس الفاعور، للحيلولة دون انتقال كورونا إلى داخل المملكة، في ظل تسجيل إصابات يومية بين سائقي الشاحنات الواصلين للمعبر، إذ بلغ عدد الإصابات بين السائقين الأجانب 152 حالة، حتى 25 يوليو/تموز2020، قبل أن يتوقف الأردن عن الإعلان عن إصابات غير الأردنيين، بينما سجلت 194 إصابة لسائقين أردنيين حتى 8 سبتمبر/أيلول الجاري، وفق ما وثقته معدة التحقيق عبر بيانات وزارة الصحة الأردنية.

مؤشرات مبكرة على انتشار العدوى

في 18 مارس 2020، أوقفت الحكومة الأردنية حركة الشاحنات والمسافرين عبر معبري الدرّة والمدورة البريّيْن مع السعودية، غير أنها لم توقف حركة الشاحنات عبر العمري لأهميته الكبيرة للحركة التجارية، إلا أن الحكومة لم تعلن وقتها عن أي إجراءات وقائية تتصل بالسائقين. وفق ما أفاد به "العربي الجديد"، رئيس مديرية نقل البضائع في هيئة تنظيم النقل البري علاء العبادي.

وعقب 28 يوما من فرض الحظر، قررت الحكومة الأردنية إلزام السائقين بإجراء فحص PCR في منفذ العمري، بحسب ما أعلنه وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة في الإيجاز الصحافي. جاء هذا التحرك غداة تسجيل إصابتين لسائقَي شاحنات أردنيين قادمَين من السعودية عبر العمري، ثبتت إصابتهما في 12 و13 إبريل/نيسان 2020، بحسب بيانات حصلت عليها معدّة التحقيق من وزارة الصحة. ولذلك، طلبت وزارة الصحة من جميع السائقين الذين دخلوا البلاد عبر العمري قبل الفحص الإلزامي إجراء فحوص في المشافي المخصّصة. وبالفعل خضع 1200 سائق أردني لفحص كوفيد-19 في المشافي الحكومية، بحسب العبادي.

وشهد الأردن تسجيل ما بين إصابة واحدة وثماني إصابات يوميا في معبر العمري خلال فترة الرصد التي نفذّتها معدّة التحقيق على مدى 25 يوما سبقت قرار حجر السائقين، بدءا من 14 إبريل وحتى 8 مايو 2020. وخلا المعبر الحدودي من حالات الإصابة في 3 أيام فقط؛ هي 16، 19 و28 إبريل.

"ما سبق يمكن اعتباره مؤشرات مبكرة على خطر انتشار العدوى عبر سائقي الشاحنات"، وفقا للأستاذ في الجامعة الأردنية والباحث الإحصائي في ملف انتشار كورونا، معتصم السعيدان، والذي ينتقد تأخر تدخّل وزارة الصحة رغم وجود مؤشرات الخطر، وانتظارها ظهور بؤرة وباء في قرية الخناصري في محافظة المفرق شمال شرقي المملكة، نجمت عن انتقال العدوى من سائق شاحنة أجرى الفحص على العمري عقب عودته من السعودية، وجاءت النتيجة سالبة، لكن أعراض المرض بدأت تظهر عليه بعد يومين من مكوثه في منزله، التقى خلالهما بعدد من أفراد أسرته، وتنقل لعدد من المشافي بسبب تعبه، حتى تم تشخيصه بفيروس كورونا، كما أوضح وزير الصحة في الإيجاز الصحافي يوم 7 مايو الماضي.

من هناك، تفاقمت العدوى لتصل إلى 104 أشخاص في إربد، جرش، الرمثا، الزرقاء، والمفرق. بحسب عبيدات، ما حدا بالحكومة إلى اتخاذ قرار بحجر سائقي الشاحنات على العمري في 8 مايو المنصرم بمدرسة الأمير فيصل العسكرية بالأزرق على بعد 49 كيلومترا من المعبر.

فوضى إدارة حجر السائقين

أفرغ سائق الشاحنة الأردني ياسر قرباع حمولته داخل الحدود السعودية في 6 مايو 2020، عائداً إلى معبر العمري وهناك، انضم إلى مئات السائقين المنتظرين أمام غرفة مخصصة لإجراء فحص كوفيد-19، مفترشا الرصيف على مدى يومين إلى جانب نحو 300 سائق أردني وغير أردني، بلا رقابة على احتكاكهم في انتظار النتيجة. فحص قرباع جاء سالبا. لكنّه فوجئ بإلزامه مع سائر السائقين بحجر مؤسسي في المدرسة التي اختيرت مركز حجر مؤقت حتى تجهيز كرفانات في ساحة داخل مركز العمري.

العمري1

 

معدّة التحقيق تتبعت نقل الفوج الأول من السائقين إلى المدرسة، حيث حُجر 320 سائقاً في 24 غرفة، تؤوي كل منها بين 13و14 سائقاً، ويشبّه قرباع حال المدرسة ومرافقها الصحية بـ"المكرهة الصحية". في الأثناء، كان السائقون يصلون تباعاً إلى العمري، ويتكدسون في ساحات المعبر من بينهم الأربعيني أبو فيصل، الذي أمضى 8 أيام في العمري، من 11 إلى 18 مايو الماضي (تاريخ نقله إلى مكان الحجر)، يبيت حيناً على الرصيف وحيناً آخر يلوذ بالمسجد الوحيد المزدحم بمئات السائقين، وفقا لروايته لـ"العربي الجديد"، مشيرا إلى أن هذا الحال أصبح يتكرر معه في كل رحلة تجارية يقوم بها منذ فرض الحجر.

العمري 2

 

"كرفانات" غير كافية

في 17 مايو الماضي، دشّن المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات 200 مقطورة مجهزة للمبيت (كرفان) في ساحة العمري، كما يظهر كتاب صدر عشية ذلك اليوم عن المركز. إلّا أن القدرة الاستيعابية انخفضت إلى 194 كرفاناً، بعد تحويل 6 منها إلى مكاتب لعناصر الإقامة والحدود، ولتقديم وجبات الطعام وحفظ أجهزة الفحص.وفي 12 يونيو/ حزيران، جهّز 47 كرفانا إضافيا، ليرتفع العدد المخصّص لحجر السائقين إلى 241 وحدة، بحسب إفادة من وزارة الصحة لـ"العربي الجديد".

الصورة
العمري 5

 

لكن هذا العدد ليس كافيا مقارنة بأعداد السائقين القادمين يوميا، والذي يصل إلى 300 سائق أردني، وفق بيانات هيئة تنظيم النقل البري، وبناء على ذلك، فإن المعبر يستقبل 4200 سائق خلال أسبوعين، وكان يُفرض على كل منهم الحجر داخل كرفانات فردية لأسبوعين منذ 8 مايو المنصرم وحتى 8 سبتمبر الجاري.  وهكذا كانت تمتلئ الكرفانات خلال يوم واحد ولن تكون خالية إلا بعد مرور 14 يوما، بينما يتكدس 4000 سائق في المعبر، وهو ما يبدو في مقاطع مصورة لـ"العربي الجديد" تكشف تزاحم السائقين في العمري بأعداد كبيرة، ما يثبت غياب التباعد الجسدي بين السائقين وتجاهل الشروط الوقائية، لتستمر معاناة السائقين وفق ما يوثقه التحقيق منذ 4 شهور متواصلة. وخاصة أن العمل بنظام المناولة تأخر تطبيقه في العمري حتى 18 يونيو/حزيران الماضي. وفق العبادي، ثم شُمل السائقون القادمون عبر العمري بإجراءات الحجر الجديدة المستندة إلى تصنيف الدول الوبائي، ووفق ما أعلنته هيئة تنظيم النقل البري في 8 سبتمبر الجاري، ستكون مدة الحجر للسائقين القادمين من الدول ذات التصنيفين الأحمر (ذات خطورة عالية) والأصفر (ذات خطورة متوسطة) 7 أيام على الأكثر، مع إحضارهم لفحص PCR أجري خلال 72 ساعة من موعد القدوم إلى الحدود، أما القادمين من الدول الخضراء ذات الوضع الوبائي الأقل خطورة فلا حجر لهم.

 

العمري 4

 

من جهته، يرد الفاعور  على ذلك بقوله أن ترتيبات جديدة بشأن السائقين والعاملين والموظفين في العمري بدأ تطبيقها نهاية أغسطس، منها فرض ارتداء اللباس الواقي على عمال التحميل والموظفين، وإلزام السائقين غير الأردنيين العاملين بنظام المناولة بالبقاء في شاحناتهم تجنبا لمخالطة عمال وموظفي المعبر، على أن يتولى العاملون نقل حمولة شاحنته إلى أخرى تتولى إيصالها للأردن، أما كرفانات الحجر ما زال العمل جاريا على زيادة عددها لإيواء السائقين الأردنيين العائدين إلى منازلهم.

العمري6

 

إجراءات فحص غير آمنة

يخشى السائق الأردني سعيد أبو ميلاد من خطر العدوى أثناء قيامه بالإجراءات الصحّية في مركز العمري، ويشكو غياب إجراءات التباعد البدني خلال الخضوع لفحص PCR، وكذلك أثناء انتظار استلام النتيجة.

المخاوف ذاتها تسيطر على السائق منذر الداود، بخاصة بعد ثبوت إصابة سائقين كانا ينتظران على الحدود بالتزامن مع إجرائه الفحص هناك في 23 مايو/ أيار الماضي. "لم تفصل بيننا وبين هذين السائقين سوى بضع خطوات خلال تسليم نتائج الفحوص، لا أحد يكترث للسائقين وينظم الأمر، المسافات معدومة"، يقول الداود.

العمري 3

 

أما إجراءات أخذ المسحة، فهي "بحدّ ذاتها ناقلة للعدوى"، كما يصفها السائق أحمد الحايك، إذ تنفّذ داخل غرفة صغيرة بالقرب من مركز الجمارك، حيث يتزاحم السائقون أردنيون وأجانب، أمام هذه الغرفة المزودة بكرسي وحيد. داخل الغرفة يعمل فنيّا مختبر مكلّفان بجمع العينات ونقلها إلى موقع إجراء التحاليل الذي بدأ عمله في 17 إبريل الماضي. ويسلم السائق جواز سفر ويدفع رسم الفحص (45 دينارا أي ما يعادل 64 دولارا)، ورغم كل ذلك، لا يبدّل الأطباء القفازات بعد أخذ المسحة من السائق، وفقاً لتجارب السائقين التي يوثقها التحقيق.

إجراءات الفحص على العمري تخالف إرشادات منظمة الصحة العالمية المتصلة بغرف الفحوص، والتي يشترط أن تكون "جيدة التهوية، معقمة، خالية من الفوضى، مع التزام الكوادر باستخدام المعطف المخصص بأكمام طويلة، وقفازات مناسبة تتغير بعد الاستعمال، وواق للوجه ونظارة".

لكن وزارة الصحة في ردها تقول إن أخذ العينات يتم ضمن شروط السلامة العامة، مضيفة أنها طبّقت الإجراءات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، وفق قانون اللوائح الصحية الدولية. مشيرة إلى أن "توصيات المنظمة في تلك الفترة تضّمنت إجراء الفحص الحراري لجميع القادمين إلى البلد براً، لكنّها لم توصِ بإخضاعهم لفحوص مخبرية أو حجرهم". وتؤكد الوزارة أنها "بادرت" لإقامة مختبر على الحدود بعد ظهور إصابات بين السائقين من دون انتظار توصية المنظمة الأممية. وتقرّ أنها "اكتشفت عددا كبيراً من الإصابات التي تسجّل بين سائقي الشاحنات، ما دفعها إلى تطبيق الحجر الإلزامي على المعبر الحدودي"، بحسب ردّها المكتوب.

أما منظمة الصحّة العالمية تؤكد في دليليْها بشأن التأهب والاستعداد وإجراءات الاستجابة لكوفيد-19 (صدر الأول في 22 مارس/آذار 2020 فيما صدر الثاني في 24 يونيو/حزيران 2020) أنه لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع لإدارة الأزمة. ولذلك يجب على كل دولة تقييم مخاطرها والتنفيذ السريع للتدابير اللازمة للحد من انتقال كوفيد-19.

هيئة تنظيم النقل البري تحيل المسؤولية إلى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، وتؤكد الناطقة الإعلامية باسم الهيئة عبلة وشاح أن الشأن الصحي منوط في ظل تفعيل قانون الدفاع، بالمركز ووزارة الصحة، واللجنة الوطنية للأوبئة، أما الأخيرة فتقرّ على لسان الناطق باسمها بوجود تجاوزات صحية على العمري، تتمثل بالتزاحم وضعف التعقيم، لكن عبيدات يؤكد أن دور اللجنة محدد بإصدار التوصيات، وأوصت بحجر السائقين منذ البداية، إلا أن صعوبات لوجستية تحول دون تطبيق ذلك بالشكل السليم، وفق قوله.

*تم إنتاج التحقيق بالتعاون مع شبكة (أريج) "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية"

ذات صلة

الصورة

مجتمع

قالت شركة أسترازينيكا البريطانية إن التجارب النهائية للقاح كوفيد-19 كانت "فعالة للغاية" في الوقاية من الأمراض.
الصورة
كورونا قطر/ غيتي/ مجتمع

مجتمع

أعلن رئيس المجموعة الاستراتيجية الوطنية للتصدي لفيروس كورونا (كوفيد-19) ورئيس قسم الأمراض المعدية بمؤسسة حمد الطبية: عبد اللطيف الخال، أن لقاح كورونا سيكون متوفرا في قطر نهاية العام الجاري، أو بداية العام المقبل.
الصورة
دورية لضبط تدابير الإقفال في أحد أسواق باريس (لودفيك مارين/ فرانس برس)

مجتمع

رغم تنبيهات الخبراء من موجة كورونا الثانية، لم تتخذ التدابير المبكرة للحدّ من أثرها في فرنسا، التي أعلنت عن عزل صحي، لم يكبح تسارع الإصابات
الصورة

مجتمع

أعلنت مديرة الوكالة الأوروبية المكلّفة بالأوبئة، في حديث مع وكالة فرانس برس، اليوم الأربعاء، أنّ الاتحاد يتوقع توزيع أول لقاحات ضدّ كوفيد-19 على أراضيه "في الفصل الأول من 2021"، في سيناريو "متفائل"، داعية في المقابل إلى توخي الحذر.