مظاهر تأثيرات ترامب على الخارطة الحزبية لإسرائيل

22 ابريل 2019
الصورة
تبنى ترامب المنطلقات الأيديولوجية لليمين الإسرائيلي (Getty)

ساهم صعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكلٍ كبير في إعادة رسم موازين القوى داخل الخارطة الحزبية في إسرائيل، حيث أفضى هذا التطور بشكل خاص إلى المسّ بمكانة قوى اليسار وحجمها، وقلّص إلى حدٍّ كبير من الفروق الأيديولوجية بين القوى السياسية الإسرائيلية.

ونزعت الإدارة الأميركية الجديدة الشرعية عن المنطلقات الأيديولوجية لقوى اليسار الإسرائيلي، التي ظلّت تنادي بحلّ الدولتين كحل أمثل للصراع مع الفلسطينيين، عبر سلسلة المواقف التي عبّر عنها عددٌ من كبار المسؤولين الأميركيين، ومن خلال قرارات ترامب، التي تمثل تبنياً صريحاً للمنطلقات الأيديولوجية لليمين الإسرائيلي، لا سيما الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.

بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي، لم يعد من المقبول أن تتبنى قوى اليسار مواقف من الصراع مع الفلسطينيين تعدّ أكثر مرونة من الموقف الذي تتبناه الإدارة الأميركية.

ونظراً لأن قوى اليسار كانت تستغل مواقف إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الناقدة لسياسات حكومات بنيامين نتنياهو تجاه الصراع مع الشعب الفلسطيني، في اتهام اليمين بتهديد مصالح إسرائيل الاستراتيجية عبر المخاطرة بالمسّ بالعلاقات الحيوية مع الولايات المتحدة، فإن صعود ترامب وإسناده لحكومة اليمين الحالية، حرم قوى اليسار من القدرة على مواصلة التشبث بهذه الحجة.

إلى جانب ذلك، فقد ساهم صعود ترامب في تقليص حدود ومساحات الجدل الداخلي حول التأثيرات السلبية لاحتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، علماً أن هذه القضية ظلّت تستأثر بمساحة كبيرة من الجدل الإسرائيلي، منذ تفجر الانتفاضة الأولى أواخر عام 1987.

ويعد صعود ترامب أحد أهم الأسباب التي أفضت إلى تهاوي الفروق الأيديولوجية بين القوى السياسية الإسرائيلية، الذي أفضى بدوره إلى إعادة صياغة الخارطة الحزبية بشكل كبير، كما ظهر ذلك جلياً عشية الانتخابات التشريعية الأخيرة.

ومما يدلل على أن انتخابات الكنيست الأخيرة التي نظمت في إسرائيل شهدت عملياً منافسة بين قوى اليمين، باستثناء حزب "العمل" وحركة "ميريتس"، فإن أي حزب صهيوني لم يعلن تأييده لفكرة حلّ الدولتين.

وقد فطن نتنياهو إلى توجهات الرأي العام الإسرائيلي الرافضة لتوجهات "اليسار" التقليدية، وأخذ يتهم تحالف "كحول لفان"، الذي نافسه في الانتخابات الأخيرة، بأنه يمثل "اليسار الضعيف"، فما كان من هذا التحالف إلا أن دافع عن نفسه بالقول إنه يمثل "اليمين الحقيقي والعاقل"، كما صدر على لسان تسفي هاوزر، أحد قادة هذا التحالف.

ومما يدلل على صوابية ما ذهب إليه هاوزر، حقيقة أن الكثير من قادة تحالف "أزرق أبيض" كانوا قادة سابقين في "الليكود"، مثل وزير الحرب الأسبق موشيه يعلون، وبوعز هندل، المستشار الاستراتيجي الأسبق لنتنياهو، وهاوزر نفسه، الذي عمل كسكرتير لحكومة نتنياهو، وغيرهم الكثيرين.

من هنا، فإنه حتى بالاستناد إلى تعريف القوى الحزبية في إسرائيل لذاتها، فإن الخارطة الحزبية الإسرائيلية باتت تنقسم إلى يمين وقوى هامشية لليسار، حصلت مجتمعة فقط على 11 مقعداً في الانتخابات الأخيرة.

وبسبب تأثير مواقف وسياسات ترامب، فإن قوى اليمين، التي يمثلها تحالف "كحول لفان" برئاسة الجنرال بني غانتس، ميّزت ذاتها عن قوى اليمين الأخرى التي يمثلها الليكود والأحزاب والحركات التي تقف إلى يمينه، عبر طرح مخططات للانفصال عن الفلسطينيين، تقوم على ضمّ المناطق التي تعد ضمن خارطة المصالح الاستراتيجية لإسرائيل.

وحسب ما صدر عن قادة "كحول لفان"، عشية الانتخابات، فإن على إسرائيل الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، التي تمثل 12 في المائة من مساحة الضفة، ومنطقة القدس الكبرى، التي تضم أيضاً التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون"، وهي منطقة تبلغ مساحتها حوالي 10 في المائة، ومنطقة غور الأردن التي تبلغ 28 في المائة من مساحة الضفة، ما يعني أن "كحول لفان" معني باحتفاظ إسرائيل بحوالي 50 في المائة من مساحة الضفة في أيّ تسوية سياسية للصراع.

وقد أثر خطاب بعض موظفي إدارة ترامب على مواقف القوى الحزبية في إسرائيل من المستوطنات. ويمكن الافتراض أن حرص السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان على إجراء العديد من المقابلات مع وسائل إعلام وصحف إسرائيلية، للتأكيد على وجوب عدم تفكيك المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، قد أثر على الجدل السياسي الإسرائيلي الداخلي إزاء المستوطنات.

فحتى آفي جباي، رئيس حزب "العمل"، الذي يؤيد "حلّ الدولتين"، بات يجاهر بأنه لا يجوز في أي حال من الأحوال تفكيك أيّ مستوطنة يهودية في الضفة الغربية، في حين أن تسفي هاوزر، من قادة "كحول لفان"، ينتقد حكومة نتنياهو لأن وتيرة البناء في المستوطنات "منخفضة"، على حد تعبيره.