مظاهر الإكراه الديني تتعاظم في إسرائيل

09 يونيو 2016
الصورة
المجندات مُنعن من حضور 1400 نشاط للجيش(غالي تيبون/فرانس برس)
+ الخط -

تزداد مظاهر الإكراه الديني في إسرائيل، بشكل واضح، أخيراً، في انعكاس لتعاظم تأثير التيارات الدينية، وإخضاع الكثير من أنماط الحياة العامة لتعليمات المرجعيات الروحية. وقد تجسدت هذه المظاهر في عدم السماح للنساء بالغناء في بعض الاحتفالات، التي تم تنظيمها بمناسبة حلول "ذكرى الاستقلال" (تاريخ إعلان دولة الاحتلال)، إلى جانب تكرار الفصل بين الرجال والنساء في الفضاء العام.
ووصل الأمر إلى حد أن الجيش الإسرائيلي منع، في مئات المرات، مجندات من المشاركة في نشاطات عامة داخل الجيش، وحظر عليهن استخدام وسائل النقل العسكرية، بسبب وجود جنود متدينين على متنها، ويستقلونها أيضاً للمشاركة في تلك النشاطات. وكشفت المراسلة العسكرية في الإذاعة العبرية، كرميلا منشه، في سلسلة تغريدات على حسابها على موقع "تويتر"، أخيراً، أنه تم حظر مشاركة المجندات في 1400 نشاط نظّمها الجيش، العام الماضي، وذلك بسبب تواجد مجندين متدينين.

ولفتت منشه الأنظار إلى أن آخر مظهر من مظاهر الإكراه الديني في الجيش تمثّل في منع أحد الضابط مجندةً من الصعود إلى حافلة عسكرية "حفاظاً" على مشاعر ضباط وجنود متدينين، كانوا يتواجدون داخل الحافلة. ووفقاً لمنشه، فإن الضابط نفى أن يكون سلوكه نتاج اجتهاد شخصي، مشيراً إلى أن هذه كانت تعليمات قيادته. وبفعل تأثير المرجعيات الدينية المتشددة، قد عمدت مجالس محلية، أخيراً، إلى الفصل بين الرجال والنساء في النشاطات التي تنظمها. وكشف موقع "وللا" الإخباري، قبل أيام، أنّ بلدية مدينة "بيت شيمش" التي تقع غرب القدس المحتلة، وزعت، منذ فترة، دعوات لحضور حفل عام، مع الإشارة إلى أنه سيتم فصل الرجال عن النساء في هذا الحفل.
في الوقت نفسه، نظّمت بعض الجامعات الإسرائيلية، أخيراً، احتفالات بمناسبة ذكرى "الاستقلال"، بدون السماح للنساء بالغناء خلال هذه الأمسيات. على سبيل المثال، خلا الاحتفال الذي نظمته جامعة "بار إيلان" من أية مشاركة لمطربات بسبب الموقف "الفقهي"، الذي يمنع الرجال من الاستماع لغناء النساء.


وعلى الرغم من أن التيار الديني الصهيوني يتحكم في هذه الجامعة، التي تعدّ ثاني أكبر جامعة في إسرائيل، إلا أن الأغلبية الساحقة من الطلاب والمحاضرين فيها هم علمانيون. ويُسهم استحواذ الأحزاب الدينية على عدد من أهم الوزارات الخدماتية في تعزيز قدرتها على التأثير على نسق الحياة العام في دولة الاحتلال.
وتحتفظ الأحزاب الدينية بوزارات توفّر لنخبها قدراً كبيراً من الاحتكاك بالجمهور والتأثير عليه، مثل وزارات التعليم، والداخلية، والصحة، والاستيطان والزراعة.

المفارقة أنه على الرغم من مظاهر التبرّم التي تبديها النخب العلمانية، فإن أحداً لم يحرّك ساكناً لمواجهة مظاهر الإكراه الديني، وهذا تحديداً ما فتح شهية المرجعيات الدينية للسعي إلى فرض المزيد من تلك المظاهر. الحاخام حاييم نافون، وهو أيضاً كاتب روائي يحظى باحترام كبير في أوساط التيار الديني، هدد بشنّ "حرب لا هوادة فيها ضد العلمانيين، إذا حاولوا عرقلة تحركات المتدينين لفرض تصوراتهم بشأن الطابع اليهودي للدولة". وفي مقال نشرته صحيفة "ميكور ريشون"، قبل أيام، اعتبر نافون أنّ الالتزام بتعليمات التوراة يفرضه احترام طابع الدولة اليهودي، مما يستدعي تحركاً لمواجهة المسّ بهذا الطابع.

من جهته، يحذر نائب رئيس "المركز الإسرائيلي للديمقراطية"، يديديا شطيرن، من تأثير حركة الإكراه الديني على نمط نظام الحكم والأعراف الديمقراطية، معتبراً أن هذا الإكراه يسهم في تحطيم الأسس الديمقراطية للحكم. وفي مقال كتبه بالمشاركة مع الروائي اليساري نير برعام، ونشرته النسخة العبرية لموقع "يديعوت أحرنوت"، يجزم شطيرن، وهو متدين، بأنّ طابع العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل "سيئ إلى حد كبير". ويرى شطيرن أن هناك بيئة مجتمعية تساعد على تقبل الإكراه الديني، منوهاً إلى أن الاستطلاعات تؤكد أن "80 في المائة من اليهود في إسرائيل يؤمنون بوجود الخالق، وتقريباً الجميع يقوم بعملية الختان، في حين أن نسبة كبيرة من غير المتدينين يحتفلون بالأعياد الدينية".
ويرى الروائي نير برعام، أن مظاهر الإكراه الديني تعكس في الواقع "انتصار الهوية الدينية على القيم الديمقراطية، فاليهودي الذي يقطن حي بروكلين في نيويورك يشعر بأن إسرائيل وطنه أكثر من العرب في إسرائيل"، على حد قوله. ووفقاً لبرعام، فإنه "تم تأسيس الدولة لكي يتمتع اليهود بتفوق على كل من يقطن هذه البلاد، وهذا ما شجع على تعاظم مظاهر الإكراه الديني والتمييز العنصري ضد الفلسطينيين".

المساهمون