مطلوب شيطان ابن حلال

26 يوليو 2019
"يا الله ما لنا غيرك يا الله"، كانت هذه هي الصيحة الأولى في مواجهة الشيطان الأسدي، أمر بديهي أن تواجه الظلمة بالنور، ولأن بصلتنا محروقة استعجلنا نصر الله، فقررنا على حين غفلة أن نواجه الظلمة بالظلمة، وبدا واضحاً أنه لا بد أن نتعامل مع الشيطان- أي شيطان- في سبيل التخلّص من نظام الأسد.

من الله إلى الشيطان، كم هي مهولة هذه الانعطافة. وسرعان ما وجدنا شيطاناً، كان جاهزاً في الحقيقة وكأنه يعلم. وأكّد لنا كبراؤنا أن هذا الشيطان هو الشيطان المطلوب، ابن حلال ويخاف الله وسينصرف فور مساعدتنا على تحقيق أحلامنا وسيترك لنا الجمل بما حمل.

في سيرته الذاتية التي قدمها لنا، حشد الكثير من الأعمال السابقة التي تدعو للإعجاب بقوته وجبروته، كنا متأكدين منه أنه سيأكل شيطاننا بلا ملح، وأمام هذا اليقين بعنا أرواحنا له، وجلسنا نستعد للاستمتاع بلحظة الحسم. ولكن الخبيث لم يكن ابن حلال بالمرة، فما إن وقّعنا على صك البيع حتى كشّر عن أنيابه وأخرجنا من ديارنا وصادر أحلامنا وراح يتفنن في قتلنا وتعذيبنا، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت!

وأمام معضلة وجود شيطانين مجرمين كان لا بد من حل، فقلنا مجدداً: يا الله ما لنا غيرك يا الله ورحنا نبحث عن شيطان ابن حلال آخر، وفي رحلة البحث هذه تفرّقنا في كل الجهات؛ شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وحيثما يممنا وجهنا كنا نجد شيطاناً ابن حلال جاهزاً لمساعدتنا، وبكل تأكيد لا أطماع له البتة، وسينصرف فور مساعدتنا على تحقيق أحلامنا، وهكذا بعنا أرواحنا مجدداً للشياطين الجدد.

كل شيء بدا جيداً هذه المرة، الشياطين الجدد دول محترمة وأولاد ناس وأصحاب سمعة حسنة وليسوا مجاهيل لا أحد يعرف قرعة أبيهم من أين كما هي حال الشيطان الأول، أجلسناهم في صدور بيوتنا، ووقفنا بجانبهم منتظرين أن يبدأ العمل، ولكن العمل لم يبدأ، راحت الشياطين تصطرع في ما بينها، شياطيننا أولاد حلال دون شك ولكن كانت بينهم مشكلات عديدة لا بد من حسمها قبل بدء العمل، طال الانتظار فتعبنا وجلسنا، فرأت الشياطين الجلوس بجانب أقدامها أنه حسن، فطلبت منا أن ندلّكها لها لأن مساعدتنا مجهدة ومتعبة، حسناً لا بأس، الجماعة أولاد حلال وبعض التدليك لن يفسد للحلم قضية.

ما حدث بعد ذلك أن أحد الشياطين أرسل بعضاً منا ليضرب شيطاننا– ويحهم- وبالطبع لم نسكت على هذا التعدي الصارخ، وكان لا بد من الرد، وبمشورة شيطاننا أرسلنا بعضنا الآخر وقتلنا بعضنا الأول فاغتاظ الشيطان المهاجم وأرسل المزيد إلينا فأرسلنا المزيد منا، وهكذا بدأت معارك لا نهاية لها بين الشياطين كنا وقودها، كل ذلك والشيطان الأسدي مستمر في قتلنا والشياطين لا تبالي لأمره.

مرت سنوات عديدة ونحن على هذه الحال، أجّلنا أحلامنا وبات همنا أن نرضي شياطيننا وأن نسبّح بحمدهم كما يجب، أكلنا لحمنا حياً واستسغناه، لم يكن طعمه سيئاً كما زعموا.

في الضفة الأخرى حدث أمر مشابه، ضعف الشيطان الأسدي وخشي السقوط فاستنجد هو الآخر بالشياطين لمساعدته، وكانوا جاهزين أيضاً، وأكدوا له أنهم سينصرفون بعد مساعدته فباع روحه لهم. للأمانة كانوا أولاد حلال أكثر من شياطيننا، ساعدوه بالفعل في قتلنا، ولكنهم رفضوا الانصراف، وحولوه هو الآخر إلى مدلّك أقدام بائس.

قد يسأل بعضكم: ألم يكن بينكم رجل رشيد؟ ألم ينتبه أحدكم إلى خطورة أن تبيع روحك للشيطان؟ ألم يقرأ أحد منكم فاوست؟

في الحقيقة بلى، كان لدينا الكثير من هؤلاء الحمقى المتفذلكين، ولكن الله أعاننا عليهم فقتلنا بعضهم، وعذبنا بعضهم الآخر حتى عادوا إلى رشدهم، ومن كان منهم سعيد الحظ استطاع الفرار بجلده إلى بلد ما. وبين الفينة والأخرى يكتب بعض مَن لم نخرسه بعد مهاجماً أسيادنا أولاد الحلال، فنثور عليه ونؤكد له أن تصرفاته الحمقاء اللامسؤولة هذه من شأنها إزعاج شياطيننا وهذا أمر فيه من الخيانة وقلة الأصل شيء كثير ولا يفعله إلا ابن الحرام، عداك عن الخسائر التي قد نتكبدها إذا حرد شيطاننا وقرر تركنا، ومعلومكم لم يعد سهلاً في هذه الأيام أن تجد شيطاناً ابن حلال لا أطماع له البتة، وسينصرف فور إتمام مهمته بمساعدتنا على تحقيق أحلامنا... أحلامنا؟ ماذا كانت بالضبط؟