مطلب تعاقد سياسي جديد في المغرب: حاجة أم مناورة؟

06 يونيو 2020
الصورة
يرفع الحجر الصحي بالمغرب في 10 يونيو(فاضل سنّا/فرانس برس)
"ما قبل كورونا ليس كما بعده"، عبارة تتردّد على ألسنة الكثيرين حول العالم، بعد أن فرض الفيروس سطوته على جميع مناحي الحياة. وفي المغرب، يستدعي الفيروس طرح أسئلة مقلقة ذات طابع اجتماعي واقتصادي، ترتبط بما يقتضيه المشهد السياسي في فترة ما بعد الحجر الصحي المنتظر رفعه في 10 يونيو/حزيران الحالي. وعلى الرغم من أنّ الأثر النهائي لتفشي الفيروس لا يزال ضبابياً، إلا أن في الإمكان ملاحظة تأثيراته على الساحة السياسية المغربية من خلال دعوات عدد من الفاعلين السياسيين إلى ضرورة إفراز تعاقد سياسي جديد كوصفة من وصفات مجابهة مرحلة ما بعد كورونا. وفي الوقت الذي أحدثت فيه الدعوة إلى استبدال الحكومة القائمة برئاسة سعد الدين العثماني، بحكومة "إنقاذ وطني"، تتكون أساساً من وزراء تكنوقراط لمدة سنتين، مع تجميد الحياة السياسية وعمل الأحزاب بدعوى "مواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا"، هزّة سياسية، برزت أخيراً دعوة المكتب السياسي لحزب "التقدم والاشتراكية" المعارض، إلى "ضرورة إفراز تعاقد سياسي جديد يوطد الدولة الوطنية الديمقراطية القوية، الناجعة اقتصادياً، والعادلة اجتماعياً".

وتزامنت دعوة "شيوعيي المملكة" إلى تعاقد سياسي مع موقف مماثل صدر السبت الماضي عن اللجنة التنفيذية لحزب "الاستقلال"، ثاني أكبر حزب معارض في المغرب، بعد أن "سجلت بإيجاب إطلاق رئيس الحكومة الآلية السياسية للتشاور مع الأحزاب لتجاوز الأزمة، بهدف إشراك القوى السياسية في بلورة رؤية بلادنا للخروج من حالة الطوارئ الصحية وصياغة تعاقد سياسي واجتماعي جديد في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة".

الموقف عينه حول الحاجة إلى تعاقد سياسي جديد، عبّر عنه منذ أيام، عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب "الأصالة والمعاصرة"، أكبر حزب معارض في البلاد، حينما اعتبر في مقابلة تلفزيونية أنّ "مطلب تعاقد سياسي جديد مطروح ومطلوب لأننا سنعيش على الأقل خلال السنوات الأربع المقبلة في ظلّ أزمة اقتصادية قد تكون مخيفة، لهذا لا يمكن أن نختلف في وقت يعاني فيه المواطن من البطالة ومن عدد كبير من الإشكالات".

ومهما كانت خلفيات الداعين إلى التعاقد السياسي الجديد في المغرب لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا، خصوصاً في مرحلة ما بعد رفع الحجر الصحي، فإنّ السؤال الذي يطرح هو: هل يحتاج المغرب فعلاً إلى تعاقد سياسي جديد لمجابهة الظرف الاستثنائي الذي فرضه تفشي فيروس كورونا؟

في آخر بيان صادر عنه قبل أسبوع، رسم المكتب السياسي لحزب "التقدم والاشتراكية" صورة للتعاقد الذي يدعو إليه، مشيراً إلى أنه يقوم على "ميثاق اجتماعي وديمقراطي يضع الإنسان في صلب المسلسل التنموي ويحقق كرامته، ويُعطي الأولوية لقطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي والتشغيل والثقافة". كما يرتكز اقتصادياً "على دور الدولة في تقوية وتجويد الاستثمار العمومي وفي التوجيه والتقنين، وعلى توطيد القطاع العمومي، وإنعاش القطاعات الاقتصادية المتضررة في مجالات الصناعة والسياحة والصناعة التقليدية والبناء والنقل والخدمات، والاستثمار في التصنيع والرقمنة والاقتصاد الأخضر، ودعم المقاولة بما يحافظ على مناصب الشغل ويُنعش الطلب الداخلي ويَصون القدرة الشرائية".

ويقتضي التعاقد السياسي الجديد، بأبعاده التنموية والاقتصادية والاجتماعية، في هذه الأوضاع الحرجة بالذات، بحسب المكتب السياسي لحزب "التقدم والاشتراكية"، "تعزيز الديمقراطية في جميع أبعادها، ما يتطلب تعزيز الحريات والحقوق وروح المواطنة، والرفع من شأن الحقل السياسي المُستنِد إلى مؤسسات حقيقية وناجعة وأحزاب جادة، وإلى جماعات ترابية ومؤسسة تشريعية منتخبة ومُعبِّرة عن الإرادة الشعبية تُفرز حكومة قوية تخضع لمبدأ المسؤولية والمحاسبة، كما ينص على ذلك الدستور".

وبينما ينتظر أن تقدّم الحكومة خلال الجولة الثانية من مشاوراتها مع الأحزاب السياسية المتوقعة خلال الأيام المقبلة، تصورها بشأن مطلب إيجاد تعاقد سياسي جديد يستند إلى تفعيل الديمقراطية والحريات والمساواة، فضلاً عن ميثاق جديد يحفظ السلم الاجتماعي، يرى الباحث السياسي المغربي، عبد المطلب أعميار، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "المغرب يعيش لحظة تاريخية من المفترض أن تؤسس لنموذج سياسي جديد قائم على محورية المسألة الاجتماعية باعتبارها جوهر وأساس أي نموذج تنموي". ويتابع: "كما أنها مناسبة لتقييم شامل وموضوعي لما تحقق من شعارات سياسية تتابعت مع العهد الجديد، وفي مقدمتها تلك التي ارتبطت بمسار الانتقال الديمقراطي منذ تجربة التناوب التوافقي وتدشين المصالحات الوطنية الكبرى، مروراً بما أنجز من خلاصات ارتبطت بتقرير الخمسينية (الصادر عام 2006 والذي رصد وضعية مختلف المجالات الاقتصادية السياسية والاجتماعية بالمغرب)، وبتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة (هيئة غير قضائية أنشئت لتصفية ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب من 1956 إلى 1999)، وصولاً إلى مرحلة الربيع العربي وتبعاته على المستوى الوطني، وإخراج دستور 2011".

ويشير الباحث السياسي نفسه، إلى أنّ ما أفرزته جائحة كورونا من أولويات "لا يخرج عن الممكنات والمتطلبات التاريخية لبناء مشروع وطني متكامل لمجابهة تحديات مغرب اليوم، ومغرب المستقبل"، لافتاً إلى أنّ "في مقدمة تلك التحديات، بناء تعددية سياسية حقيقية تتجاوب مع ما ينتظره المغاربة، وتعيد إليهم الأمل والثقة في مؤسسات الدولة، وأن تكون تعبيراتها الحزبية تعبيراً حقيقياً عن حاجة مجتمعية متجددة، وألا تكون النخب من صناعة الإدارة بأي شكل من الأشكال".

لكن أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في كلية ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، يرى أنّ أزمة كورونا "عرّت طبيعة المنظومة الحزبية التي لا تملك برنامجاً ولا رؤية لسبل تجاوز مخلفات الجائحة"، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ هذه المنظومة الحزبية "باتت تحاول إخفاء ذلك من خلال دعوات إلى تعاقد سياسي جديد، خصوصاً أمام ارتفاع منسوب التوتر الحزبي الذي تحوّل إلى نزاع واضح ومكشوف حول توزيع المغانم الحكومية، وبروز فشل سعد الدين العثماني في تشكيل حكومة الكفاءات التي دعاه إليها الملك". ويعتبر لزرق أنّ "تلك الدعوات ورفع شعارات من قبيل تعاقد سياسي جديد أو حكومة وحدة وطنية، تخفي مناورات لن تتوقف"، لافتاً إلى "أنها مرتبطة بالدفاع عن مصالح خاصة، حتى وإن غُلِّفت بغطاء الوحدة الوطنية أو البحث عن تعاقد جديد".