مطرقة التطرّف تطاول تمثال "المرأة العارية" في الجزائر

مطرقة التطرّف تطاول تمثال "المرأة العارية" في الجزائر

21 ديسمبر 2017
الصورة
ترتبط مدينة سطيف بتمثال المرأة العارية (العربي الجديد)
+ الخط -

قبل أيام، اعتلى شاب تمثال المرأة العارية، المعروف بـ"عين الفوارة"، في مدينة سطيف الجزائرية، وشرع في تحطيمه قبل أن توقفه الشرطة، علماً أن الحادث ليس الأول من نوعه. فهل عادت نبرة التكفير إلى الشارع؟

ترتبط معظم المدن الجزائرية في أذهان ساكنيها والوافدين إليها بمعالم أثرية أو أضرحة لأولياء صالحين. وعادةً ما يقصدها الناس للتبرّك، علماً أن النزعة الصوفية موجودة في النسيج الجزائري، أو للسّياحة. على سبيل المثال، هناك ضريح "سيدي أبي مدين شعيب" في تلمسان، وضريح "سيدي الهواري" في وهران، وقمة "يمّا قورايا" في بجاية، ومغارة ابن خلدون في تيارت. وتتميز هذه المعالم بقدمها، وتنسب إلى شخصيات دينية وعلمية ساهمت في تشكيل وعي الجزائريين.

وما يميّز مدينة سطيف، الواقعة على بعد 300 كيلومتر (شرق الجزائر العاصمة) عن بقية المدن الجزائرية، ارتباطها العميق في المخيال العام الجزائري بتمثال المرأة العارية المنصوب في قلب المدينة، وعادة ما يجذب إليه المقيمين في المدينة التي تعد ثاني أكبر تجمع سكاني بعد العاصمة، والوافدين من المحافظات الأخرى، بالإضافة إلى السياح الأجانب.
يُطلق على النصب اسم "عين الفوارة"، نسبة إلى ينبوع المياه الطبيعي المتدفق على مدار العام من الجهات الأربع للنصب الذي تعلوه منحوتة رخامية لامرأة عارية تماماً. وتبدو التفاصيل واضحة بسبب شدة إتقانها. وهناك شبه إجماع بين الباحثين على أن الحاكم الفرنسي للمدينة انزعج من المصلين الذين كانوا يتزاحمون على الوضوء من النبع الذي لا يبعد عن المسجد العتيق إلا مائة متر، فطلب من النحات فرانسيس دو سانت ـ فيدال نحت امرأة عارية علّه يخدش حياء المسلمين ويجعلهم ينفرون من المكان.

جُلبَ التمثال من فرنسا إلى ميناء سكيكدة، ومنه إلى مدينة سطيف في عربة تجرّها الخيول. ونصب في 26 فبراير/شباط عام 1898، لكن خيبة الحاكم الفرنسي كانت كبيرة فجر اليوم التالي، حين رأى مرتادي المسجد العتيق يقبلون على الوضوء من المنبع كعادتهم، من غير أن يمسّوا المنحوتة بسوء. وتحولت في نظرهم إلى ما يُشبه "الولية الصالحة" التي تزار للتبرك بالمياه المنسابة تحت قدميها.

قصد "العربي الجديد" المكان سابقاً، وكان الوصول إلى إحدى العيون الأربع الموجودة عند جوانب النصب صعباً، بسبب الازدحام. وصودف أيضاً خروج المصلين من المسجد العتيق، فتوجه بعضهم إلى عين الفوارة لشرب المياه.

كان الجميع مشغولين بالتقاط الصور. ونادراً ما يُتاح للراغب في ذلك أن يظهر وحده في المشهد، إلّا في وقت متأخر من الليل، حين تخف الزحمة. وعلى الفور، كان بعض الشباب يضعون صورهم مباشرة على "فيسبوك". في السياق، سألنا شاباً قدم من مدينة سعيدة الواقعة في غرب الجزائر، أن يُطلعنا على التعليق الذي أرفقه بالصور، فكان: "معكم مباشرة من عين الفوارة، ومن يشرب منها يعود إليها"، في إشارة إلى الاعتقاد السائد لدى الجزائريين بأن من يتاح له أن يشرب من مياه عين الفوارة لا بد أن يزورها ثانية. من جهتها، تقول امرأة كانت برفقة زوجها وابنها: "جربت ذلك بنفسي، شربت من هنا قبل أن أتزوج، وها أنا أعود على الرغم من أنني أقيم على بعد 900 كلم".



بعض حرفيي المدينة استغلوا ارتباط الناس بالتمثال، فوضعوا أعمالهم على طاولات جلبوها إلى المكان. يقول سفيان إنه يفعل هذا منذ عشر سنوات، وهذا مصدر رزقه الوحيد. يضيف: "لا يقل ثمن المجسم عن ثلاثة دولارات، وأنا أبيع ما لا يقل عن عشرين مجسماً في اليوم". يتابع أن الناس يحبون أن يشتروا مجسمات لعين الفوارة، على الرغم من وجود مجسمات أخرى على غرار برج إيفل وتمثال الحرية. لكن هناك رابط كبير يجمعهم بهذا المكان.

"هذا فن ولا صلة بين وجوده وبين الأخلاق" (العربي الجديد) 


من جهته، يقول عز الدين، الذي كان يلتقط صوراً فورية للزوار، إنه لا يمكنه تصوّر المدينة من دون عين الفوارة. يضيف أن ما يقال عن عريها لا يعنيه "هذا فن ولا صلة بين وجوده وبين الأخلاق. نحن منطقة محافظة، والدليل وجود أقدم مسجد فيها على بعد خطوات من التمثال. لم نسمع يوماً إماماً واحداً من أئمتنا يحرّم وجوده. أما الفتاوى التي تصلنا من الخارج، فلا تأثير لها علينا".
إلا أن بعض هذه الفتاوى التي ترى في التمثال نزعة جاهلية أدت إلى تفجيره فجر يوم 22 إبريل/نيسان عام 1997. لكن بعد ساعات قليلة، خرجت تظاهرة حاشدة لشجب التفجير والمطالبة بترميم "التحفة المقدسة". وهذا ما حدث بعد يومين على يد الفنان عبد الرحمن زعبوبي. يقول الأخير لـ "العربي الجديد" إن "سكان سطيف يومها أعادوا إلى عين الفوارة ما شربوه منها دموعاً".

من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع مهدي بلحميتي إن "هذا التسامح الشعبي مع تمثال لامرأة عارية تماماً يرتبط بتعوّد المنطقة على رؤية التماثيل، كونها كانت محمية رومانية". ويحكي عن مدينة جميلة كانت أكبر مدينة رومانية في الجزائر، وعن النزعة الصوفية الموجودة فيها منذ قرون، والتي أسهمت في تذوق الفن والرسم والنحت والرقص والغناء وغيرها.
لكن هذه الروح لم تمنع شاباً ذا نزعة دينية متطرفة، يوم الاثنين الماضي، من اعتلاء النصب والشروع في تحطيم وجه المنحوتة وثدييها، قبل أن ينقضّ عليه شرطيان ويقتادانه إلى المخفر للتحقيق معه. ولم يمض ربع ساعة على الحادثة حتى باتت الحديث الغالب في المجالس الواقعية والافتراضية للجزائريين بين مستنكر لها ومستحسن.

يقول الأكاديمي عاشور فني لـ "العربي الجديد" إن هناك فتوى سبقت الحادثة من أحد رجال الدين في إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة دعت إلى ستر التمثال، كما حرّم إمام في مدينة قسنطينة شرب الماء المتدفق من بين قدمي المنحوتة لأن في ذلك انحناء لغير الله، "لقد عادت نبرة التكفير إلى الشارع الجزائري من غير محاسبة أو مراقبة".