مطربون تركوا الغناء وحيداً

29 يناير 2020
الصورة
بعض الأغاني رائجة حتى اليوم رغم غياب المؤدين(Getty)
+ الخط -
يغيب عن المشهد الفني بعض المطربين العرب الذين قدموا العديد من الأغنيات، كانت منها أغنية واحدة أو اثنتين كحد أقصى قد حققت الشهرة لصاحبها وجعلت منه فنان عصره. أغنيات ما زالت تحصد ثمار نجاحها منذ صدورها قبل عقود، خلافًا لأصحابها الذين غابوا.
عوامل عديدة حالت دون استثمار هذه النجاحات وتغذيتها، لتبقى الأغنية حاضرة في ظل غياب مغنيها. على رأس القائمة الفنانة التونسية سوسن الحمامي، التي قدمت برفقة زميلاتها الفنانة السورية أمل عرفة واللبنانية جوليا بطرس عددًا من الأغنيات، من بينها أغنية "وين الملايين"، إحدى أشهر الأغنيات التي ظلت عالقة في الذاكرة منذ إصدارها عام 1988. الأغنية من تأليف الشاعر الليبي علي الكيلاني وألحان مواطنه عبد الله محمود منصور.

رغم نجاح هذه الأغنية وانتشارها بشكل واسع، إلا أنها عادت على الحمامي بخلاف ما هو متوقع، بعدما عززت الأغنية من مكانة زميلتيها عرفة وبطرس في الساحة الفنية وفتحت لهما باب الشهرة على مصراعيه. عرف عن الحمامي فنها الملتزم الداعم للقضايا العربية، ولكن في مطلع التسعينيات امتنعت الحمامي عن تقديم أعمال غنائية جديدة نظرًا لتضييق الخناق عليها من قبل النظام التونسي في ظل حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، والتي شهدت فترت حكمه اغتيال عدد من قيادات الثورة الفلسطينية المقيمة في تونس، أمثال خليل الوزير وصلاح خلف وهايل عبد الحميد، وقد مارس نظام بن علي شروطه على الحمامي بعدما نالت عقوبة الإقامة الجبرية نظرًا لمخالفتها القوانين على خلفية مشاركتها في مهرجان "الأغنية البديلة" في ليبيا عام 1992، وخيرها بين الغناء بألوان بعيدة عن القضايا الوطنية والعربية أو السجن، ما دفعها إلى الغياب عن الساحة الغنائية ما يقرب من عشرين عامًا، وعلى الرغم من سقوط نظام بن علي عام 2011، إلا أن ذلك لم يدفع الحمامي للعودة إلى ممارسة نشاطاتها الفنية كما في السابق نظرًا لمشاكل صحية.
في سياق آخر ومختلف، برز في أواخر الثمانينيات، أيضًا، الفنان المصري علي حميدة، الذي اشتهر من خلال أغنيته "لولاكي" التي حققت مبيعات عالية جداً وصلت إلى 40 مليون نسخة، ودفعت بشركة الإنتاج المنتجة للعمل إلى إنتاج فيلم من بطولة حميدة عام 1993، حمل عنوانه اسم الأغنية نفسها "لولاكي"، ولكن لم يكتب لهذا النجاح الاستمرار، إذ انهالت على حميدة تبعات هذه النجومية التي حصدها من أغنيته وجعلته يختفي عن الأنظار وعن الساحة الفنية، باستثناء مشاركات فخرية هنا أو هناك، مثل مشاركته كضيف شرف ومغني تتر مسلسل "نسمة ونصيب" عام 2009، كان أبرزها اتهامات بالتهرب الضريبي عام 1997، حيث فرض عليه مبلغ من الضرائب قدره 13 مليون جنيه على أثر نجاح أغنيته ومبيعاتها المرتفعة. ثم اتهم بعدها بقضية تتعلّق بالمثلية الجنسية عام 2000، وأودع على أثرها السجن لسنوات، ولكن بعد خروجه من السجن، أعلن حميدة خلال أحد البرامج المحلية أن علاء مبارك، نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعدد من النجوم لم يذكر أسماءهم، كانوا سببًا في إقصائه من الساحة الفنية، وأن وزير الداخلية السابق حبيب العادلي هو الذي كان وراء تلفيق قضية المثلية له نظرًا لعلاقته الجيدة بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.

لا شك أن فترة التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة عرفت أسماء كبيرة وناجحة في الوسط الفني، والكثير منهم ما زال محتفظًا بمكانته الفنية حتى اليوم، ولكن على غرار حميدة، هناك نجمة عربية لمع اسمها في مصر، بعدما دخلتها عام 1995، وأصدرت عددًا من الألبومات والأغاني، هي الفنانة السودانية جواهر، التي ذاع صيتها في تلك الحقبة بعد نجاح اثنتين من أشهر الأغنيات لها؛ الأولى هي "عالكورنيش" عام 1999، من كلمات مصطفى كامل وألحان صالح أبو الدهب، وقد صورت على طريقة الفيديو كليب، والثانية "حايلوه" عام 2002، من كلمات محمد خليل وألحان حمدي صديق. جواهر هي الأخرى اختفت لفترة طويلة عن الساحة الفنية بعد النجاح الكبير التي حققته أغانيها، ولعل من أهم أسباب غيابها خفوت رغبة شركات الإنتاج باستمرار التعاون مع النجمة السودانية التي مزجت بين الغناء السوداني والمصري.

وكان لهذا التمازج وقع ناجح ومثمر ولكن لفترة قصيرة من الزمن، فمن عادات شركات الإنتاج أنها تبحث دائمًا عن الصوت والوجه الجديدين، إضافة إلى ذلك التغيرات الموسيقية وتطور أشكالها وأدواتها، وأسباب أخرى لا نستطيع تجاهلها تتعلق بالأزمات السياسية، وبالأخص أزمات الربيع العربي وانعكاساتها على الشؤون الداخلية للبلاد، تحديدًا قطاعات الإنتاج والفن والثقافة، إلى جانب حروب الميديا والعالم الافتراضي التي من شأنها أن تعيق تقدم فنان قديم وناجح مثل جواهر أمام غلبة الجمهور الشاب المتأهب دائمًا لنسيان الماضي ومتابعة الحديث من الأعمال الفنية. ولكن مع ذلك نجد محاولات للفنانة جواهر في التماهي مع هذا التطور بغية العودة إلى الواجهة الفنية، فقدمت عددًا من الأغنيات في السنوات الأخيرة ولكنها لم تلق أثرًا لها، مثل أغنية "إثبات ملكية" وأغنية "حمو" و"مش عايزين رخامة".

المساهمون