مصير النفط السوري شرق الفرات يهدد الاتفاق التركي - الروسي

26 أكتوبر 2019
الصورة
سيُبقي البنتاغون عدداً من جنوده بسورية (دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -
يفتح تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير، حول إبقاء عددٍ من جنود بلاده لحماية حقول النفط والغاز السورية الخاضعة لسيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، الباب على مصراعيه أمام وقوع إشكالية جديدة قد تفضي إلى إعاقة تنفيذ الاتفاق التركي - الروسي حول منطقة شرق الفرات، والذي توصل إليه لقاءُ القمّة الذي جمع في منتجع سوتشي رئيسي البلدين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، يوم الثلاثاء الماضي. ويقضي الاتفاق التركي – الروسي بانسحاب "قسد" من كامل الحدود التركية – السورية بعمق 30 كيلومتراً، مع تسيير دوريات تركية - روسية داخل عمق 10 كيلومترات من هذه المنطقة، إضافة إلى دخول حرس الحدود التابع للنظام السوري، للمشاركة في إبعاد القوات الكردية عن المسافة المتفق عليها، قبل البدء بتسيير هذه الدوريات.



وبعدما كان قد أكد عزمه على سحب كامل القوات الأميركية من سورية، أعرب الرئيس الأميركي، الذي تواجه سياسته في هذا البلد انتقادات متزايدة داخل واشنطن، يوم الإثنين الماضي، عن نيته طلب الإبقاء على عددٍ من الجنود لحماية حقول النفط في منطقة شرق الفرات. وفي السياق، قال ترامب إن "عدداً محدوداً من الجنود الأميركيين سيبقون في سورية، بعضهم ليحمي حقول النفط، فيما سينتشر البعض الآخر على الحدود السورية - الأردنية". وأضاف: "قلت دائماً إذا كنا سننسحب فلنحمِ النفط، يمكن للولايات المتحدة أن ترسل واحدةً من كبرى شركاتها النفطية للقيام بذلك في شكلٍ صحيح".

كلام ترامب كرّره وزير دفاعه مارك إسبر في اليوم نفسه، حين أشار إلى أن واشنطن "تناقش إبقاء بعض القوات (الأميركية) في الحقول النفطية، شمالي شرقي سورية"، موضحاً أن "هذه القوات ممكن أن تبقى قرب الحقول التي تسيطر عليها (قسد) لضمان عدم سيطرة تنظيم (داعش) أو جهات أخرى على النفط". ولفت إسبر إلى أن بعض القوات الأميركية لا تزال تتعاون مع ما سمّاها "قوات شريكة" قرب الحقول النفطية، وأن المناقشات جارية بشأن إبقاء بعضها هناك، مضيفاً أنه لم يقدم اقتراحه هذا بعد، لكن "مهمة البنتاغون بحثُ كافة الخيارات". وأول من أمس، الخميس، حذّر إسبر من أن تركيا "تسير في الاتجاه الخاطئ" من خلال توغلها العسكري في سورية، واتفاقها مع روسيا على تسيير دوريات مشتركة في "منطقة آمنة" هناك.

وعقب ذلك، قال أحد مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية في بيان، ليل الخميس الجمعة، إن "أحد أهمّ المكاسب التي حقّقتها الولايات المتّحدة مع شركائنا في الحرب ضدّ تنظيم داعش هو السيطرة على حقول النفط في شرق سورية، وهي تُعدّ مصدرَ عائداتٍ رئيسيّاً لداعش". وأضاف المسؤول الأميركي، الذي لم يكشف هوّيته، أنّ "الولايات المتّحدة ملتزمة بتعزيز موقعنا في شمال شرق سورية بالتنسيق مع شركائنا في قوّات سورية الديمقراطيّة، عبرَ إرسال دعم عسكري إضافي لمنع حقول النفط هناك من أن تقع مجدّداً بيَد تنظيم الدولة الإسلامية أو فاعلين آخرين مزعزعين للاستقرار".

ويهدد إبقاء عددٍ من الجنود الأميركيين في منطقة شرق الفرات السورية لحماية حقول وآبار النفط والغاز التي وقعت تحت سيطرة سلطة "قسد" بإشراف أميركي خلال معارك "التحالف الدولي" لطرد تنظيم "داعش" من المنطقة، مصير الاتفاق التركي - الروسي، أو قد يؤدي إلى عرقلته على الأقل، وذلك في ظلّ تصادم قد يكون متوقعاً بين المصالح الروسية والأميركية حول تلك الحقول. ولم تخفِ موسكو يوماً رغبتها في أن يكون لها موطئ قدم عند تلك الحقول والآبار، من خلال شراكتها القائمة مع النظام. وفي هذا الخصوص، كان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف واضحاً جداً، حين اعتبر في تصريحٍ، يوم الأربعاء الماضي، أن "منابع وحقول النفط في شمال شرق سورية يجب أن تكون تحت سيطرة حكومة النظام"، معرباً عن أمل بلاده "في أن يقدم المقاتلون الأكراد ضمانات للخروج من منطقة الحدود التركية - السورية".

وتضّم المنطقة التي يتوجب على "قسد" الانسحاب منها بحسب الاتفاق الروسي – التركي (على عمق 30 كيلومتراً)، حقولاً للنفط والغاز تقع جميعها في محافظة الحسكة، منها حقول الرميلان للنفط والغاز، كراتشوك، القحطانية، والسويدية (غاز)، وحقل زاربا المحاذي للحدود التركية - السورية. بعض هذه الحقول يقع ضمن منطقة الـ10 كيلومترات التي ستُسيّر فيها الدوريات الروسية - التركية، وبعضها الآخر ضمن منطقة الـ30 كيلومتراً التي من المفترض أن تنسحب منها "قسد" التي تديرها حالياً. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن أجزاء من بعض الحقول النفطة تقع خارج هذه المنطقة (10 أو 30 كيلومتراً)، إذ تتوزع الآبار التي يفوق عددها الألفي بئر على مساحةٍ جغرافية واسعة، ما يضع بعضها خارج الخط المحدد للمنطقة المتفق عليها بين موسكو وأنقرة، وهو أمرٌ سيجعل كيفية إدارتها معقدة وإشكالية.

هذا الواقع يؤكده مهندس البترول، الباحث السياسي السوري، سعد الشارع، موضحاً أن "إدارة هذه الحقول النفطية ستكون من الناحية الهندسية والتقنية معقدة، لكون الكثير من الآبار تقع داخل المنطقة المتفق عليها، ومنها ما يقع خارجها".

ويلفت الشارع، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، إلى أن "إبقاء الولايات المتحدة على دعمها لقسد بما يخص حماية النفط أو إدارته، وهو ما نلمسه من التصريحات الأميركية المتعاقبة أخيراً، سيجعل من الناحية التقنية الاستفادة مستحيلة من هذه الآبار - حتى تلك التي تقع في منطقة الـ10 أو الـ30 كيلومتراً وأياً كانت الجهة التي ستستولي عليها، من دون الوصول إلى الحقول الأساسية التي من المتوقع ألا تسحب واشنطن جنودها أو شركاتها منها".

ويلفت الباحث السياسي والخبير النفطي السوري إلى "غزارة الإنتاج النفطي في جنوب المنطقة المتفق عليها (بين روسيا وتركيا)، حيث تدير قسد أيضاً منشآت ضخمة في دير الزور وجنوب الحسكة"، متوقعاً أن تبقي الولايات المتحدة على دعمها لهذه القوات (التي يشكل الأكراد غالبيتها) لتدير هندسياً الحقول والآبار في المنطقة المتفق عليها بين الأتراك والروس، من الحقول الأساسية جنوباً". ويُذكّر بأن "إصرار الأميركيين على عدم ذهاب عائد النفط السوري لصالح النظام، ولا حتى لصالح حلفائه، سواء أكانوا الروس أم الإيرانيين، وهو أمر من غير المعروف مدى استمراريته في ظلّ رغبة واشنطن بعدم التفريط بهذه الورقة، المرتبطة بحسب رأيها بإعادة الإعمار في سورية وملفات مستقبلية أخرى، تتعلق بشكل وصيغة الحلّ السوري النهائي".

بدوره، يستبعد الباحث المتخصص بأمن الطاقة والتأثيرات السياسية والاقتصادية، حسن الشاغل، أن "تتخلى الولايات المتحدة عن الآبار النفطية التي تقع ضمن نطاق سيطرتها في سورية"، لافتاً إلى أنها "دائمة التحرك لفرض حصار وعقوبات اقتصادية على النظام، ليس لأهمية هذه الآبار أو الحقول بالنسبة إليها أو إلى سوق الطاقة الدولية، وإنما لأهميتها الاقتصادية عند النظام الذي هو بأمسّ الحاجة اليوم لعائدات النفط من أجل ترميم قدراته الاقتصادية والعسكرية، بعدما جفّت احتياطاته من العملة الأجنبية في المصرف المركزي". وبناءً عليه، لا يرى الشاغل في حديثه لـ"العربي الجديد" أي إمكانية لـ"حصول تخلٍ أميركي عن هذه الآبار، أياً كانت الجهة المسيطرة على المنطقة المعنية"، مؤكداً "عزم البنتاغون على مواصلة حمايتها، على الرغم من جدواها الاقتصادية الضئيلة، مقارنةً بآبار جنوب الحسكة ودير الزور".

من جهته، يرى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الروسية، محمود حمزة، أن "قسد سيجري حلُّها بطريقة أو بأخرى بعد الاتفاق التركي الروسي، لكن النفط السوري بالنسبة للأميركيين يعني تأمين كلفة وجودهم في سورية (قسد)"، مستبعداً "حصول أي مواجهة انتحارية مع الجنود الأميركيين الذين سيتولون حماية هذه الآبار من قبل أي طرفٍ سيتواجد على الأرض (الروس أو الأتراك أو قوات النظام)".

 

 

المساهمون