مصير السيسي لا مرسي هو المسألة

مصير السيسي لا مرسي هو المسألة

24 مايو 2015
الصورة
+ الخط -
نجح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في نقل النقاش من ضرورة وقف حالة الجنون التي يمثلها الرجل ونظامه، بسياسات تفتح باب الخراب الكامل على مصر، وما بقي من أقطار المنطقة من جهة، إلى البحث عن طريقة لعدم تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق الرئيس المعزول، محمد مرسي، من جهة ثانية. بهذا "النجاح"، تثبت الثورة المضادة مرة جديدة كم هي منظمة وخبيرة وذكية (والذكاء لا يتعارض بالضرورة مع الدموية والإجرام والخبث) إلى درجة أن مؤسساتها أدركت، في لحظة زيادة الضغوط الداخلية والإقليمية على السيسي، أنّ التصعيد، لا التفاوض حول صيغة حلّ ما أو تسوية ما، هو الأجدى. ففي ظل حكم طاقم سعودي أقل عداءً لتيار الإسلام السياسي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين، وفي ذروة أخطاء الجيش القاتلة وانتهاكاته في سيناء، ووصول الأزمة الاقتصادية الاجتماعية إلى ذروتها، ومظاهر الفاشية المجتمعية إلى مرحلة اللاعودة، والتقارب الواضح بين المثلث السعودي ــ القطري ــ التركي، جاءت النصيحة للسيسي (إلا إن كان هناك من لا يزال يصدق كذبة استقلالية القضاء المصري) بضرورة التصعيد، وإلا كان مصيره السقوط الكبير، مثلما حصل بعد فرمانات البيروسترويكا السوفياتية. 

تقول حكمة استبدادية إن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، وإن التنازل (وإن كان للمصلحة العامة) والموافقة على البحث عن تسويات وأنصاف حلول ليست إلا وصفة لبداية سقوط السلطة، المطلوب إصلاحها أو جعلها قابلة للتعايش مع أطراف أخرى وازنة في المجتمع. هكذا، بدل أن يقدم السيسي ورجاله على خطوات "جريئة" إزاء طيف واسع من المجتمع السياسي المصري (الاخوان المسلمين)، يتعرض للقتل والتنكيل والاعتقال حرفياً، بوتيرة يومية، قرروا رفع سعر المقامرة، حتى وإن كان السعر مراهنة على إشعال حرب أهلية، فأصدروا أحكام إعدام بحق رأس الدولة الذي صار له، بعد الانقلاب، من الشعبية ما لم يكن يتمتع بها في عام حكمه الذي تخللته خطايا وأخطاء، يتجاوز عددها أيام تلك السنة ربما.
لا يفيد بأيّ حال تسفيه قرارات الإعدام المتلاحقة، ووصف مطلقيها بالمجانين أو المعتوهين، فهذه القرارات مدروسة بعناية، ويدرك من اتخذها أنّ تنفيذها بحق مرسي، أو محمد بديع مثلاً، من شأنه أن يفجّر حالة احتراب أهلي، بالمعنى الحرفي للكلمة، في بلد التسعين مليون شخص. وهنا، لم تعد مسألة نقص السلاح أزمة، إذ يتأكد يومياً في الأقطار العربية أن تأمين السلاح لتغذية الحروب الأهلية من أسهل ما يمكن أن يحصل.
مَن قرّر إعدام مرشد لعدد كبير من المصريين، ورئيس لا يزال عدد لا يستهان به من الأشخاص أيضاً يعتبرونه "قائدهم"، أراد رفع ثمن النظام أكثر، على قاعدة أنه يقول لرعاته الرئيسيين، الإقليميين والغربيين، ما مفاده أنه لا يزال قوياً كفاية إلى درجة أنه قادر أن يبيد مليوناً أو مليونين من المصريين المؤيدين لجماعة سياسية جماهيرية كالإخوان، ليس مؤكداً أن من بقي من قيادتها لا يزال قادراً على ضبط ناسه وإقناعهم بالحفاظ على "السلمية".
من قرّر إعدام مرسي وبديع، ومن بدأ تنفيذ أحكام الإعدام فعلاً منذ أيام بحق المناصرين، يوجّه صفعة، لا بل بصقة في وجه "ناصحين" إقليميين وغربيين. لم تعد إعادة النظر الجذرية بمجموعة الخيارات "السياسية" الإقصائية الدموية العسكرية للسيسي مسألة تخصّ المصريين وحدهم. تعدّت القصة عنوان ثورة مضادة شديدة التنظيم والذكاء والخبرة والدموية، ليصبح بقاء الرجل وسياساته، من دون أي مبالغة، موضوعاً يزيد المنطقة فوضى، وهو ما يجعل مصير السلطة الحالية شأناً إقليمياً أولاً، ثم دولياً، وهو ما لا يبدو أن كثيرين في المنطقة مقتنعين به حتى اليوم، وإلا لما كانت الاتصالات التركية ــ الخليجية التي تحدثت عنها صحيفة "تقويم" التركية، تدور حول منع تنفيذ الإعدام بحق مرسي وترحيله إلى تركيا، بل حول القول للسيسي: لا نحتمل حرباً أهلية في مصر، بالتالي، ارحل.