مصطفى حافظ... مؤسس العمل الفدائي في فلسطين

29 مارس 2014
الصورة
+ الخط -
في بيتها بالمعادي حكت لنا عن فلسطين، وبيت قديم كانت تملكه في قطاع غزة ما زالت تذكره وتذكر كل ما دار فيه. وفي زياراتنا المتكررة لها التقينا، أكثر من مرة، فلسطينيين معظمهم من غزة يزورونها، إما وفاء لذكرى قائد ومؤسس العمل الفدائي الفلسطيني في الخمسينيات، الذي قاد أول حركة فدائية لتحرير الأرض، وإما للتنقيب عما في خزانة ذاكرتها من حديث عنه. لا يزال الفلسطينيون يذكرون الشهيد مصطفى حافظ الذي لم يكتفوا بإطلاق اسمه على شوارع ومدارس في بلادهم، وإنما أقاموا سرادق عزاء عندما توفيت ابنته بعد سنوات طويلة من استشهاده، ولم يتوقفوا عن زيارة أرملته عاما بعد عام.


حكت السيدة أرملة الشهيد مصطفى حافظ عن زوجها الراحل وذكراه، وعن إخلاص أهل غزة لذكراه وحتى الشباب منهم الذين لم يعاصروه، وإنما سمعوا فقط عنه من آبائهم، يأتون إليها ليسمعوا منها قصة الشهيد الذي اسس الكتيبة 141 فدائيين .

تتذكر السيدة درية أن الشهيد عندما كون مجموعات الفدائيين، كان يذهب كل صباح إلى المختار في خان يونس، لاختيار العناصر المناسبة من الذين يبدون استعدادهم للتطوع في كتيبة الفدائيين، ليرسلهم في مهام قتالية داخل الأرض المحتلة. "أمضيت سنوات ست اعتبرها أسعد أيام حياتي في غزة، حيث عشت مع مصطفى هناك منذ عام 1950 إلى 1956، وكان قبل ذلك ومنذ عام 1948 يتقلد منصب الحاكم الإداري في الفالوجة، حيث نجا من الموت بأعجوبة عند احتلال اليهود لفلسطين".

تملأ الابتسامة وجهها وهي تحكي واقعة أثيرة لديها عندما زار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر غزة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، فاستقبله الفلسطينيون بهتاف "يعيش جمال عبد الناصر"، ثم دوى الهتاف الذي استمر لدقائق "يعيش مصطفى حافظ". فكما استطاع الضابط الشاب الذي لم يتجاوز الرابعة والثلاثين أن يحظى بثقة عبد الناصر، ليمنحه أكثر من رتبةٍ استثنائية إلى أن حصل على رتبة عميد، متقلداً منصب مدير المخابرات المصرية بعد عام 1948، ثم مسؤولا عن كتيبة الفدائيين التي أنشئت لمواجهة الوحدة (101) التي شكلها آنذاك آرئيل شارون للإغارة على القرى الفلسطينية في عام 1955، استطاع القائد الشاب كذلك أن يحتل مكانة في قلوب أبناء غزة الذين شكل من بينهم مجموعة فدائية حملت اسم (ك 141).


بطل غزة
وتتسع الابتسامة وتلمع العينان عندما تسرد رفيقة حياته وحافظة ذكراه تفاصيل تلك الليلة التي

عاد فيها مصطفى إليها قائلا لها كم أخجله ما قوبل به من تقدير الفلسطينيين له أمام قائده عبد الناصر، وهو التقدير الذي زاده، إلى جانب التواضع الذي كان من أهم صفاته الشخصية بين صفات عدة، تلك الروح النضالية التي كانت تقوده إلى ميادين العمل الفدائي جنبا إلى جنب مع الشباب الذين يدربهم، حتى تحول اسم مصطفى حافظ إلى مصدر خطر للعدو الصهيوني.

لم تكن صورة البطل الشهيد وقتها معروفة لدى الإسرائيليين، لذا أطلقوا عليه لقب "الشبح"، فعلى مدار عامي 1955 و1956 أصابت عمليات مصطفى حافظ الإسرائيليين بالذعر، وخصوصاً بعد أن وصلت إلى العمق، وجرت ضد وحدات عسكرية وواجهت وأحبطت العديد من الهجمات الارهابية للعصابات المسلحة.

وعندما عرف جهاز "الموساد" الاسرائيلي أن وراء هذه العمليات العقيد مصطفى حافظ، بدأ السعي لتصفيته، لكن حذره ودهاءه جعلاه ينجح في التخفي والهرب أكثر من مرة، فلم تتمكن الاستخبارات الإسرائيلية حتى من التقاط صورة له أو معرفة مكانه.

ومثلما كان عبد الناصر يوصيه بالحذر خوفا على حياته وقد شاعت نية اغتياله، كان الشهيد مصطفى حافظ يوصي زوجته وأم أبنائه الخمسة بالحذر. تقول أرملته: "كان يتميز بالحذر الشديد خاصة مع التهديدات التي كانت تطلقها اسرائيل عبر وسائل إعلامها، والتي وصلت حد إعلانها عن مكافأة كبيرة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، لكني رغم هذا كله عشت شعوراً هائلا بالأمان في غزة. فقد كان الناس يحبونه ويحبوننا، وكان هذا الحب الرائع يشعرني بأنني في أمان وسط هؤلاء الناس، ولم أتصور أبداً أن يحدث لنا مكروه".

وتضيف: "كان يوصيني دائماً: إياكِ أن تأخذي شيئاً من أحد لا تعرفينه، ولا تفتحي أنت أو الأولاد أي شيء قد تجدونه في حديقة المنزل، وأذكر أنني مللت هذا الحديث وقلت له ذات مرة: كفى يا مصطفى لقد حفظنا هذا الدرس، فأجابني مازحا: يعني أزهقك بالتحذير ولا ننزل مصر ناقصين حد فينا وبعدين نبكي".

ولكن متى منع الحذر قدرا...


محاولات الاغتيال

أولى محاولات شارون لاغتيال مصطفى حافظ كانت عن طريق فرقة من الجيش الإسرائيلي أدخلها إلى بيته في غزة، في أوائل عام 1956، ولكنه لم يكن في المنزل، فما كان من شارون وفرقته، إلا أن قاموا بنسف غرفته وبوابة المنزل.

ثم قام شارون بإدخال وحدة بحرية مرة أخرى، ولكنه فشل في المرة الثانية أيضا، ما جعل بن غوريون وموشيه دايان يوبخان شارون وكتيبته. وتم نقل ملف "الشبح" إلى القسم الخارجي في المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، ليقوم الموساد في تلك الفترة بتنفيذ خطة اغتياله بطرد ناسف في شهر يوليو/تموز من عام 1956، بعد الكشف عن جائزة قدرها مليون دولار لمن يقدم معلومات عن "الشبح" مصطفى حافظ.

سبعة من الكبار في جهاز المخابرات الإسرائيلي خططوا للعملية، واختاروا لتنفيذها محمد الطلالقة الذي كان عميلاً مزدوجاً لصالح المخابرات المصرية. وقد شك الإسرائيليون فيه واختبروه أكثر من مرة بإبلاغه مرة أنهم سيقومون بتسميم بئر مياه، ليجدوه وقد شددت الحراسة عليه بما يدل على قيام الطلالقة بالإبلاغ عنه.

لكن الواقعة الحاسمة كانت عندما استدعوا العميل المزدوج وأبلغوه أن "العكاوي" رئيس المباحث الفلسطينية في غزة يعمل لصالحهم، وأنهم يريدون أن يرسلوا له مظروفا يحوي الشفرة الجديدة ليراسلهم بها. فما كان من "الطلالقة" إلا أن انطلق إلى مصطفى حافظ ومعه المظروف، وأبلغه بما حدث ونصحه بعدم فتحه، لكنه أصر على فتحه على أن يغلقه مجددا ويعيد إرساله لوجهته، فانفجر المظروف ليودي بحياته ويصيب صغيره محمد في رأسه ويفقد الطلالقة بصره في الحادث.

وجاء في نص تقرير لجنة التحقيق المصرية التي تقصت وفاة مصطفى حافظ بأوامر من الرئيس عبد الناصر ما يلي: "إنه في يوم 11 يوليو 1956 في ساعات المساء الأخيرة جلس مصطفى حافظ على كرسي في حديقة قيادته في غزة وكان قد عاد قبل يومين فقط من القاهرة، وكان يتحدث مع أحد رجاله عندما وصل إليهما العميل الذي كان يعرفه حافظ لأنه سبق أن نفذ ست مهام مطلوبة منه في إسرائيل، وروى العميل لحافظ ما عرفه عن قائد الشرطة وهو ما أزعج حافظ، وخاصة أن بعض الشكوك أثيرت حوله، وقرر حافظ أن يفتح الطرد ثم يغلقه من جديد ويرسله إلى قائد الشرطة، وبمجرد أن فتح الغلاف سقطت على الأرض قصاصة ورق انحنى لالتقاطها وفي هذه الثانية وقع الانفجار، وفي الخامسة صباح اليوم التالي استشهد مصطفى حافظ متأثراً بجراحه، وأصيب أحد ضباطه بإعاقة مستديمة بينما فقد العميل بصره، واعتقل قائد الشرطة لكن لم يعثروا في بيته على ما يدينه".

علاج الصغير

مرارة لم تتخلص منها حكاية السيدة درية عن واقعة علاج ابنها الذي أصيب في الحادث، الذي استشهد فيه والده، إصابة بالغة في رأسه استدعت نقله إلى مستشفى داخل إسرائيل يتوافر فيها المطلوب له والذي لم يكن موجودا في غزة.

فها هو العدو الإسرائيلي الذي قتل الزوج يسمح بعلاج الابن في إحدى مستشفياته. لا يصعب علي تخيل تلك المشاعر المختلطة التي عصفت بروح الزوجة المكلومة والأم المروعة وهي ترافق صغيرها إلى داخل إسرائيل. ليتلقى العلاج.

تحكي السيدة درية عن إصابة ابنها: "دخل محمد في غيبوبة، وظل شهرين بالمستشفى لا يتعرف إلى أحد حوله. كنت أسأله من أنا فيرد لا أعرف يا طنط. كنت أذهب صباح كل يوم لأصلي ركعتين في المسجد الأقصى ومثلهما في مسجد القبة، وفي يوم ما سمعت محمد وهو في غيبوبته يقول أريد قرآنا، فذهبت للمسجد الأقصى وكان أحد خدام المسجد قد عرفني لكثرة ترددي عليه، قلت له أريد مصحفا لابني، فقال خذي أي مصحف تريدين شرط أن تحضري آخر بدلا منه غدا. ففعلت".

الذكرى حية في ذهن السيدة درية لدرجة أنها ما زالت تصف ما حدث بصيغة المضارع ولم تنس حتى خادم المسجد الشاب "كان محترما وتبدو عليه الطيبة والسماحة، مثلما لم تنس نشاط فتيات التمريض الروسيات التي لم تجد غضاضة في امتداح دقتهن في مراعاة الصغير المصاب".

أفاق الصبي من غيبوبته بعد شهور العلاج، ولكنه بعد أن استفاق رفض العلاج الطبيعي لذراعه وساقه اليمنى اللتين كانا لا يتحركان. تفهمت الأم عناد صغيرها الذي رفض استكمال العلاج في المستشفى الإسرائيلي فعادت به إلى مصر ليتم علاجه وهو بعد فاقد الذاكرة. "فتح عينيه ذات يوم بعد أن قطع شوطا في العلاج الطبيعي فتذكر كل شيء" هكذا انتهت الحكاية لكن لم تنته مشاعر ارتبطت بها في قلب وعقل الزوجة والأم وأرملة الشهيد. تصحو دوما وتعود حية طازجة كلما حكت.

كشف الحقيقة

استغرق الأمر 38 عاما لتعترف إسرائيل بمسؤوليتها عن اغتيال الشهيد مصطفى حافظ من خلال كتاب الضابط المتقاعد يوسف أرغمان، والذي يعد من أشهر المؤرخين الإسرائيليين في مجال الأمن والجيش، حيث خدم على مدى سنوات طويلة في وحدة النخبة (جولاني)، ثم انضم إلى جهاز الأمن العام (الشاباك) وبقي في الخدمة حتى خرج للتقاعد.

وبسبب تاريخه الحافل، حصل أرغمان على وثائق مهمة من أرشيف جيش الاحتلال، الأمر الذي أضفى على كتبه الكثيرة مصداقية كبيرة.

وفي كتابة: "سريّ جدًا أشهر 30 قصة استخبارية"، الذي نشر للمرة الأولى في 1993 روى الضابط الإسرائيلي السابق قصصًا لم يكُن مسموحا بنشرها من قبل الرقابة العسكريّة في إسرائيل، والكتاب الذي صدر عن وزارة الأمن الإسرائيلية كان يهدف إلى تضخيم صورة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وبطولاتها، وسجل قصة القائد المصري الذي أزعج شارون، ولم تمح حكاياته قصة إهانته على يد المناضل المصري الشهيد.

وثّق الكتاب حقيقة أن مصطفى حافظ استطاع هزيمة شارون حتى إنه أطلق عليه لقب "الشبح" لفشله في اصطياده قتلا أو اغتيالا أكثر من مرة، إلى جانب فشله في وقف العمليات الفدائية التي قادها هو وكتيبة الفدائيين الفلسطينيين (ك 141).

فقط 34 عاما عاشها مصطفى حافظ، كانت كافية لتجعل منه "أسطورة" جعلت إسرائيل تطارده ميتا من خلال استهداف صوره على جدران بيوت الفلسطينيين عند احتلال الأراضي الفلسطينية في حرب 1967، بعد أن استهدفته حيا مرارا حتى نجحت في اغتياله، كما حكى فلسطينيون قدموا إلى مصر لزيارة أرملة الشهيد.

لا تزال ذكرى "البطل الشهيد الشبح" التي أزعجت إسرائيل وسفاحها الشهير شارون، حية ليس فقط في ذاكرة السيدة درية زوجة الشهيد مصطفى حافظ، وإنما أيضا في ذاكرة آلاف الفلسطينيين، خاصة في غزة التي شهدت جانبا من حياة مصطفى حافظ كما كانت شاهدة على ذكرى استشهاده قبل 58 عاماً.

دلالات

المساهمون