مصر وتركيا في ليبيا

23 يونيو 2020
الصورة
تتصاعد حدّة التوتر بين مصر وتركيا بشأن ليبيا، خاصة بعد العرض العسكري الذي أجراه الجيش المصري في قاعدة سيدي براني غرب مصر، وتهديدات عبد الفتاح السيسي بالتدخل عسكريا لوقف تقدّم قوات حكومة الوفاق شرقا باتجاه سرت والجفرة اللتين اعتبرهما خطا أحمر لأمن بلاده القومي. وعلى الرغم من أن مصر كانت لاعبا مهما في الصراع الليبي منذ عام 2014، عبر دعمها اللواء المتقاعد خليفة حفتر والقوى التي تناصره شرق ليبيا، إلا أن تصدّرها لمواجهة الدور التركي جاء بعد ظهور بوادر إحجام روسي عن التورّط أكثر مما ينبغي، خصوصا مع تعاظم المعارضة الأميركية لأي تمدد روسي في شمال أفريقيا. لا شك أن تقدم المصريين للعب دور أكبر في مواجهة تركيا في ليبيا يسبب حساسيةً أقل لدى واشنطن، ففي نهاية المطاف كلتاهما، مصر وتركيا، حليفتان لها، وبغض النظر عن نتيجة الصراع بينهما، فإن المصالح الأميركية في افريقيا لن تتأثر كما لو ظفرت روسيا بموطئ قدم لها في ليبيا. ولكن التساؤل الكبير الآن يدور حول قدرة مصر على تحقيق ما فشلت فيه روسيا وفرنسا والحلفاء الخليجيون (أي احتواء الدور التركي في ليبيا). واقع الحال أن لكل طرف (أي مصر وتركيا) نقاط قوة ونقاط ضعف في التنافس الذي يحتدم بينهما في شرق المتوسط، ويمتد الآن إلى غربه.
لا يضيف المرء جديدا في الإشارة إلى الأهمية القصوى التي تحظى بها ليبيا للطرفين، فهي تمثل بالنسبة لتركيا فرصةً كبيرة، وحلا مثاليا لمعضلة الطاقة التي تواجهها، وتعد حاسمةً في تقرير نجاحها أو فشلها في تحقيق طموحاتها الإقليمية. وتطمح تركيا في أن تتحوّل خلال سنوات الى الاقتصاد العاشر في العالم، ويعد تأمين مصادر طاقة رخيصة ومستمرة مفتاح هذا الصعود. حاليا، تعتمد تركيا على روسيا في تأمين 60% من احتياجاتها من الطاقة، وعلى إيران بنسبة 20%. وهذا يضع قيودا كبرى على حركتها، باعتبار أن البلدين يعدّان من أكبر منافسيها في الإقليم. وتدرك تركيا أنها لن تتمكّن من الصعود، طالما ظلت رهينة الطاقة الواردة من روسيا وإيران. من هذا الباب، تقدم ليبيا حلا، كما أنها تسهم من خلال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في تحويل تركيا إلى قوة بحرية مهمة في المنطقة، بعد أن زادت مساحة منطقتها الاقتصادية الخالصة بنحو 100 ألف كم مربع. وهناك طبعا استثمارات ومشاريع بمليارات الدولارات تنتظر تركيا جنيها في ليبيا.
في المقابل، تمثل ليبيا بالنسبة لمصر عامل بقاء أكثر من كونها فرصة، فمصر، عكس تركيا، تتجه مؤشراتها الحيوية نزولا، وهي تحتاج إلى الطاقة الموجودة بوفرة عند الجارة ليبيا لوقف الانحدار أو تأخيره. فوق ذلك، يضع وجود نظام قريب من تركيا على حدودها الغربية، مصر بين فكي كماشة، ويمثل تهديدا لنظامها الذي يسيطر عليه الجيش.
وفي الصراع بينهما في ليبيا، تحظى كل من تركيا ومصر بنقاط قوة وضعف، منها، أن تركيا تملك قدرات عسكرية واقتصادية أفضل، فهي قوة أساسية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولديها صناعة عسكرية متطوّرة، خصوصا في مجال الطائرات المسيّرة التي أثبتت فعالية كبيرة في سورية وليبيا. ويعد الاقتصاد التركي، بحسب البنك الدولي، ثلاثة اضعاف نظيره المصري، وهو أكثر تنوعا، وقاعدته الإنتاجية أكثر اتساعا ومتانة. وتتسلح تركيا فوق ذلك بتحالفها مع حكومةٍ معترف بها دوليا في طرابلس. في المقابل، تخدم الجغرافيا والوضع السياسي الإقليمي والدولي مصر أكثر، فبعكس تركيا البعيدة نسبيا، تملك مصر حدودا برية يبلغ طولها 1200 كم مع ليبيا، ما يضعها في موقع أفضل للتدخل، وتوفير عمق وخطوط إمداد لقبائل الشرق الليبي المتحالفة معها. سياسيا، تتمتع مصر بدعم عدد كبير من الفاعلين الراغبين في الحد من الدور التركي، ويضم هؤلاء إسرائيل واليونان والسعودية والامارات وروسيا وفرنسا. وعلى الرغم من ميل واشنطن إلى الاعتماد على تركيا للحد من نفوذ روسيا في المتوسط، إلا أن الثقة تبقى محدودة هنا في ضوء الدعم الأميركي لأكراد سورية، وانحياز واشنطن إلى اليونان وإسرائيل في الصراع على ثروات شرق المتوسط. طبعا، تبقى المسألة أكثر تعقيدا من مجرد أرقام وحسابات، بدليل الفرق الجوهري الذي أحدثه التدخل التركي في ليبيا في مواجهة قوى عديدة.