مصر والنوبة.. تاريخ ممتد

02 سبتمبر 2019
النوبة هي المنطقة الممتدة ما بين جنوب مصر بعد أسوان وشمال السودان؛ وتنقسم إلى قسمين رئيسيين: النوبة السفلى المسماة (واوات) وتقع جميعها داخل الحدود المصرية بين الشلالين، الأول والثاني. والقسم الثاني؛ هو النوبة العليا المسماة (كوش) جنوب الشلال الثاني وحتى حدود منطقة (الدبة) داخل الحدود السودانية. وأطلق على أرض النوبة خلال العصور القديمة عدد كبير من الأسماء، منها: كنست، وتا نحسيو، وواوات، وكوش، وأيونت. ولكن الاسم الأقدم هو تاستي أي: "أرض الأقواس". 
اهتم المصريون فى مختلف عصورهم اهتماماً كبيراً بالنوبة، فقد كانت منذ أقدم العصور الممر الرئيسي للتيارات الثقافية بين البحر الأبيض المتوسط وقلب أفريقيا، كما كانت طريق التجارة الرئيسي بين مصر والسودان. وكانت الحدود المصرية تمتد تدريجياً تجاه النوبة إبان حكم الملوك الأقوياء، بينما تنحسر فى عصر الأسرات الضعيفة، فامتدت في عصر الأسر الحادية عشرة والثانية عشرة والثامنة عشرة، وكذلك خلال العصر البطلمي؛ وقد سميت بلاد النوبة في ذلك العصر بأربع مسميات هى: بلاد النوبة ومملكة كوش ومملكة نباتا ومملكة مروي. أما في العصر الروماني؛ فقد عانت النوبة كما عانت مصر. ولذلك، فإننا، وبنظرة سريعة على دور الملوك والحكام المصريين في بلاد النوبة منذ العصر الفرعوني وحتى الفتح الإسلامي نكتشف الآتي:
في عصر الدولة القديمة؛ كان للملك "جر" نشاط عسكري ملحوظ ببلاد النوبة؛ فقد عُثر على اسمه منقوشًا هناك في جبل الشيخ سليمان بوادي حلفا. كما قام الملك "سنفرو" بحملة تأديبية هناك وأسر خلالها أكثر من سبعمائة ألف أسير. في حين قام الملك "ساحو رع" برحلات إلى الجنوب ومنها رحلته إلى بلاد بونت. وفي عهد الملك "بيبي الثاني" توجهت إلى بلاد النوبة رحلات استكشافية عديدة.
واستمر الاهتمام بالنوبة خلال عصر الدولة الوسطى، فقد قام الملك "سنوسرت الثالث" بـ 37 حملة تأديبية على الزنوج الذين حاولوا الزحف نحو مصر؛ وقام هناك ببناء القلاع والحصون، ومنع الزنوج من عبور الشلال الثاني. وخلال عصر الأسرة الثانية عشرة قامت مصر بأول محاولة فعلية لاحتلال أجزاء من أرض السودان؛ حتى وصلت إلى منطقة (سمنة) التي حصنها السكان الأصليون بقلاع منيعة. وقام "أمنمحات الثالث" بعمل ترميمات في (سور أمنمحات) الموجودة في منطقة (كرمة)، وقد عُثر هناك على مجموعة من المقابر على هيئة أكوام من التراب مستديرة الشكل تحيط بها قطع من الحجر، وبداخلها مبني يتوسطه دهليز.
ومع انتهاء فترة الحكام الأقوياء ودخول الهكسوس مصر حاول ملوك النوبة التوجه نحو مصر والعمل على زعزعة استقرارها، بل وحاولوا التحالف مع الهكسوس ضد مصر. ولكن ومع قدوم الدولة الحديثة، وطرد الهكسوس من مصر؛ حاول ملوكها السيطرة على النوبة، حتى أن "تحتمس الأول" قام بتوسيع نفوذه نحو السودان، وأكمل "تحتمس الثالث" هذه السياسة حتى وصل إلى الشلال الرابع جنوبًا. وفي عصر أخناتون هرب بعض كهنة آمون نحو بلاد النوبة تاركين مصر واستقروا هناك في مدينة (نباتا)، واستطاعوا أن يعودوا إلى مصر ويقيموا الأسرة الـ 25 الكوشية في مصر.
وفي عصر الاحتلال الفارسي لمصر، قام قمبيز بإرسال رسله للتجسس على مملكة (نباتا)، ولكن كُشف أمرهم، فقام قمبيز بإرسال حملة نحو النوبة ولكن كان مصيرها الهلاك. وخلال هذه الفترة اعتنق السودانيون الديانة المصرية وتثقفوا بثقافة المصريين، وبذلك أصبحت السودان جزءا لا يتجزأ من مصر، حتى أن حاكمها في كوش أصبح يُعين من قِبل ملك مصر، بل وأصبح يلقب بـ "نائب الملك في كوش". وقد نجح بعد ذلك أحد ملوك السودان المدعو "كشتا" في استرداد حرية بلاده واستقلالها عن مصر وأقام عاصمة لمملكته الجديدة في (نبتة) أسفل الشلال الرابع، بل وتمكن بعد ذلك "ابن كشتا" وخلفه الملك "بعانخي" من احتلال مصر عام 725ق.م. وفي القرن السادس قبل الميلاد تحولت عاصمة النوبة من (نبتة) إلى (مروي) التي عُثر بها على أهرام ومعابد ملكية؛ ومنها معبد الشمس الذي حاز شهرة كبيرة.
وفي عام 543م قامت القسطنطينية بإرسال أول بعثة إلى بلاد النوبة بقيادة القس "جوليان" الذي استطاع نشر المسيحية هناك. بعد ذلك وخلال الفترة ما بين 650 – 710م، اتحدت مملكتا النوباطيين والمغرة، ومكن اتحادهما من قيام قوة واجهت دخول العرب إليها. وفي القرن العاشر الميلادي وصلت النوبة إلى أوج قوتها، وفي عام 1272م هاجم النوبيون المدينة العربية (عيذاب) الواقعة على ساحل البحر الأحمر. وفي عام 1323م انهزم "كودنيس" آخر ملوك (دنقلا)، فانتهت المسيحية وصارت البلاد مفتوحة أمام العرب ودخل الإسلام بلاد النوبة.
B850244D-54BD-41CF-9B8F-0DF95765E858
حسين دقيل (مصر)