مصر والسعودية وقطر: حفلات العيد تجمع ما فرّقته السياسة

29 سبتمبر 2014
الصورة
محمد عبده سيحيي حفلا في قطر (العربي الجديد)

إنقسم الفنّانون بسبب السياسة. الغالبية العظمى وقفت إلى جانب الأنظمة ضدّ ثورات شعوب "العربي العربي". الشعوب التي صنعت نجاحهم. ثم وقف معظمهم إلى جانب الانقلابات والثورات المضادّة. والحجّة الجاهزة التي يسوقها هؤلاء أنّ "الاستقرار أهم من التغيير"، وسط طنطنات فارغة مفادها أنّ "الفنّان ضمير الأمة". 

وبينما يروّج كثيرون أنّ الثقافة والفنون يجب ألا تتدخّل فيها السياسة وألا يبني الفنان والمثقّف موقفه بناء على رأيه السياسي أو الطائفة التي ينتمي إليها، إلا أنّ الواقع العربي اليومي يؤكد أنّ السياسة باتت تتحكّم في كلّ شيء، وأنّ السياسة باتت تحرّك عالم الفنّ، ما يجعل الخروج عن هذا الواقع استثناء.

موسم عيد الأضحى الغنائي يشهد مثالا واضحا على مخالفة السائد، والعودة إلى المنطق الذي يتحكم فيه المال بالأساس. فالربح هو المبدأ الأوّل في سلّم أولويات منظمي الحفلات. والفنان الذكي، وهم أقليّة، لا تعنيهم الخلافات السياسية بين الدول، اعتمادا على أنّ الفنّ عابر للحدود.

وبينما العلاقات الخليجية متوتّرة، والسفير السعودي خارج قطر، ومحاولات إنهاء الأزمة لا زالت تتعثّر أحياناً، إلا أنّ فنّان العرب محمد عبده، وإلى جانبه ثلاثة مطربين سعوديين هم عبادي الجوهر ورابح صقر ومحمد عمر، قرّروا المشاركة في إحياء حفلات عيد الأضحى بمدينة الدوحة في قطر. الحفلات التي تنظّمها إذاعة "صوت الريّان" وتُقام في "سوق واقف".

إذ يحيى عبده الحفل الختامي للمهرجان يوم العاشر من أكتوبر/تشرين الأوّل الآتي، بمشاركة الفنان القطري الكبير علي عبد الستار، بينما يفتتح الجوهر الحفلات يوم الخامس من الشهر نفسه، وحفل رابح صقر يُقام في يوم السابع من الشهر ذاته. أما حفل محمد عمر فيُقام في اليوم التالي مباشرة.

والحفلات القطرية يشارك فيها مطربون بينهم اللبنانية ديانا حداد واليمنية بلقيس فتحي، بينما لا يظهر فيها أيّ مطرب مصري على الإطلاق، وذلك للعام الثاني على التوالي. ولا يخفى على أحد أنّ السبب هو العلاقات المتوتّرة بين مصر وقطر، تلك التي تدفع كلّ المطربين المصريين إلى رفض إحياء حفلات في الدوحة، سواء منهم من يصدّق مزاعم النظام الحاكم في مصر اتجاه قطر، أو من يخشى من التعرّض للعقاب، رسمياً أو إعلامياً، في حال تعاقد على حفلات في الدوحة.

لكنّ المفارقة الحقيقية تكمن في تعاقد المطرب القطري فهد الكبيسي، ومعه فرقته الموسيقية، على إحياء حفل غنائي يوم 7 أكتوبر/تشرين الثاني، في فندق سميراميس بالقاهرة، وبمشاركة اليمنية بلقيس فتحي، التي تشاركه حفله في الدوحة أيضا، قبل يوم واحد من حفلهما في القاهرة.

ولا يدري أحد أسباب التعاقد مع المطرب القطري حتّى الآن، ولا حجم الإقبال على الحفل الذي يُقام في الفندق الفاخر على شاطىء نهر النيل في القاهرة، ذلك المطلّ على ميدان التحرير في وسط العاصمة. لكن يظلّ العامل التجاري هو الحقيقة المطلقة في الأمر، فلو أنّ المطرب غير مطلوب تجارياً لما تم التعاقد معه.

وكان الفنان المصري عمرو دياب والفنانة أنغام والفنان تامر حسني والفنانة شيرين وآخرون من المصريين، نجوم حفلات العيد، وخارج العيد، في قطر خلال السنوات التي سبقت الثورة. لكنّ الأعوام الأخيرة بات خلالها الغناء في قطر تهمة، قد تصل بالمطرب المصري إلى حدّ اتهامه بالخيانة أو معاداة الدولة.

ولا شكّ في أنّ الهجوم الذي شنّه الإعلام المصري، خلال الفترة الأخيرة، ضدّ لاعب الكرة أحمد فتحي، لأنّه تعاقد مع نادٍ قطريّ، مؤشّر واضح إلى هذه الحالة من التربّص والتهجّم على كلّ مصري يرتبط بعلاقة عمل مع قطر.

بينما لم يظهر حتّى الآن في المملكة العربية السعودية هذا النوع من الاتهامات اتجاه المطربين المقرّر أن يحيوا حفلات في قطر. هذا رغم الخلاف السياسي الصريح بين البلدين، الذي وصل إلى ذروته خلال الأشهر الأخيرة. ربّما يكون السبب هو الشهرة الكبيرة والنفوذ الواسع للفنان محمد عبده في الإعلام السعودي. وهو ما يمنع أيّ أحد من التهجّم عليه، أو ربّما بسبب لجوء بعض العقلاء دائما إلى الحديث عن كون الخلاف سحابة صيف سرعان ما تزول وتعود العلاقات إلى سابق عهدها، خصوصاً بعد الزيارات المتبادلة بين مسؤولين كبار في البلدين.

وتظلّ فصول قصة اعتزال المطرب اللبناني فضل شاكر، وانحيازه إلى الفصيل السنّي في بلاده، مثالاً واضحاً على تحوّل مواقف الوسط الفني بسبب الآراء السياسية. إذ لم يعد فضل فنّاناً معتزلاّ أو رافضاّ الواقع السياسي في بلاده والمنطقة فقط، بل بات متّهماً بالكثير من الأمور، أقلّها حمل السلاح ضدّ الدولة والإرهاب.

بينما يتذكر كثيرون، دوماً، قصصاً لمطربين كبار كان لهم دور سياسي واضح. نبدأ من أم كلثوم التي كانت تجمع تبرّعات لصالح الدولة المصرية أو تحيي حفلات لصالح الجيش المصري، ونمرّ بأسمهان التي كان لها علاقات ملتبسة كثيرة بأنظمة حاكمة ورجال استخبارات في دول أجنبية، ربما كانت سبباً مباشراً في حادث وفاتها، الغامض حتّى الآن. ونصل إلى القصّة الأهمّ في هذا السياق، تلك الخاصّة بالمطرب المصري الراحل عبد الحليم حافظ. فعبد الحليم كان صديقاً شخصياً لملك المغرب الراحل الحسن الثاني، وانتشرت شائعة في أوائل الستينيّات، وقت وقوع الخلاف بين المغرب والجزائر، مفادها أنّ عبد الحليم هاجم المملكة المغربية خلال حفل له في الجزائر، فتقرّر منع أغنياته في الإذاعة المغربية وحُجِبَت أخباره في الصحف والمجلات المغربية.

ولذكائه الشديد استغل حافظ الشائعة لتوطيد علاقته بالملك، فكتب له رسالة مطوّلة قال فيها: "سمعت أنّهم قالوا لجلالتك إنّني غنيت في الجزائر ضدّ المغرب وهذا غير صحيح. كلّ ما حدث هو أنّني أعددت بعض الأغاني عن كفاح الجزائر ضدّ الاستعمار الفرنسي. وهذا واجب وطني. بل أعلم أنّ جلالتكم ساهمتم في هذا الكفاح، فهل شعب الجزائر لا يستحقّ المساندة؟". وعندها عاد صوت العندليب يتردّد في إذاعة المغرب، وعادت صوره وأخباره إلى صفحات الجرائد والمجلات المغربية.

تعليق: