مصر والتطبيع التركي الإسرائيلي

مصر والتطبيع التركي الإسرائيلي

02 يوليو 2016
الصورة
+ الخط -
أثار تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل، أخيراً، في أحد جوانبه، تساؤلات بشأن تداعياته المختلفة على مصر، سواء ما يتعلق بملف الوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل الذي كانت تقوده القاهرة، أو ما يتعلق بتداعياته الاقتصادية على العلاقات بينها وبين تل أبيب، ومدى إمكانية حدوث تطبيع مماثل بين أنقرة والقاهرة، بعد فترة قطيعة اقتربت من ثلاث سنوات.
يمكن القول إن التطبيع التركي الإسرائيلي أظهر عدة أمور بالنسبة لقضية فلسطين، أولها مدى الحرص التركي على رفع الحصار "أو حتى كسره" المفروض على قطاع غزة، في ظل تجاهل عربي، أو ربما مساهمة عربية في فرض هذا الحصار . وربما ساهم هذا الاتفاق في إحراج القاهرة التي تعد المنفذ العربي الوحيد لغزة، بدلا من المنافذ الإسرائيلية. لكن، يبدو أن التوتر في العلاقة مع حركة حماس جعل هناك صعوبة شديدة في فتح معبر رفح، أو حتى كرم أبو سالم، بصورة اعتياديةٍ لمرور الأفراد والسلع إلى القطاع. وبالتالي، من شأن الاتفاق التركي الإسرائيلي تخفيف الحصار جزئياً عن غزة، من خلال مرور المساعدات الإنسانية التركية، وغيرها، من أنقرة إلى القطاع عبر ميناء أسدود الإسرائيلي. وربما لا يقتصر الأمر على ذلك، فتركيا أرادت إظهار نفسها في موقف المدافع عن الحق الفلسطيني، عبر رفضها الطلب الإسرائيلي إغلاق مكتب حركة حماس لديها، ما جعل بعضهم يعقد مقارنة بين موقفها وموقف القاهرة الذي يعتبر حماس إرهابية، وأن إرهابها موجه تجاه القاهرة، وليس صوب إسرائيل، وهو ما نفته "حماس" دائماً. لكن النقطة الأكثر أهمية، في هذا الصدد، إمكانية لعب أنقرة دور الوسيط المستقبلي بين إسرائيل و"حماس"، خصوصاً ما يتعلق بتبادل الأسرى ورفات بعض الجنود الإسرائيليين لدى الأخيرة، وهو ما أشارت إليه صحف عبرية. ولعل هذه النقطة إذا تمت ستعني أن تركيا "غير العربية" باتت المعنية بالقضية الفلسطينية، وبأنها وسيط مقبول لدى الطرفين، في وقتٍ باتت تُتهم فيه القاهرة بانحيازها لصالح تل أبيب.
وإذا انتقلنا إلى التداعيات الاقتصادية للاتفاق التركي الإسرائيلي على القاهرة، فربما تكون له آثار سلبية، في الأمدين المتوسط والبعيد، لاسيما فيما يتعلق بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، فبسبب الخلاف مع أنقرة، عملت تل أبيب على تشكيل تكتل إقليمي، يضم مصر وقبرص واليونان (وهي دول على خلاف مع تركيا)، يكون من أهدافه البحث عن طرقٍ بديلةٍ للخط التركي الأقل تكلفةً. وبالتالي، ربما تتخلى إسرائيل عن هذا التكتل، حال تحسّن علاقتها مع أنقرة.
وبالنسبة للنقطة الثالثة الخاصة بإمكانية حدوث تطبيع مصري تركي وشيك، فهذا يتوقف على
عدة أمور، يتعلق بعضها بالموقفين، الداخلي والإقليمي، لكل منهما من ناحية، والأهمية النسبية لكل طرفٍ في سلم أولويات السياسة الخارجية للطرف الآخر من ناحيةٍ ثانية، ثم شروط التطبيع، وهل يمكن الموافقة على تطبيعٍ جزئي، مرحلة أولى أم لا؟ لعل الظروف الداخلية، بل والإقليمية، لكل منهما قد تدفعهما في اتجاه التقارب، فعلى الرغم من أن نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يحاول تحسين علاقاته الخارجية من خلال التطبيع مع إسرائيل، والذي يتزامن مع مصالحةٍ روسية، إلا أن مصر تظل أحد أركان مثلث المنطقة الذي يضمها وإيران وتركيا. وبحسب رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، كلما لعبت بلاده أدواراً أكثر فاعليةً في الشرق، ارتفعت مكانتها في الساحة الغربية - الدولية، في إطار ما تعرف بنظرية "القوس والسهم"، ومما يعضد من هذه الوجهة أن النظام لا يزال يواجه تحدياتٍ عديدة، لاسيما فيما يتعلق بالملف السوري و"داعش"، والتداعيات الداخلية لذلك، ولعل أحدثها التفجيرات التي ضربت مطار إسطنبول. وفي المقابل، فإن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يرغب أيضاً في جذب مزيد من الشرعية له من خلال الاعتراف التركي به، وبالتالي، القضاء على أهم معقلٍ لمعارضيه في الخارج.
لكن، تبقى النقطة الأهم هي المتعلقة بشروط هذا التطبيع، وما الثابت والمتغير لكلٍّ منهما. الواضح أن الأتراك ربما يفضلون التطبيع الاقتصادي، وهو ما صرح عنه رئيس الوزراء يلدريم، أخيراً، على اعتبار أنه يحقق مكاسب مهمة لهم في ظل ميزان تجاريٍّ، يميل لصالحهم بصورة كبيرة، في مقابل رفضهم الاعتراف بأن ما حدث في 30 يونيو ثورة ضد الرئيس محمد مرسي، أو طرد قيادات الشرعية من أراضيهم، بل ربما يوافقون على تطبيعٍ كامل في حال استجابة القاهرة لأربعة شروط أساسية، حدّدها أردوغان في أثناء عودته من طهران، إبريل/ نيسان 2015، وهي إطلاق سراح مرسي (وليس عودته إلى الحكم)، ووقف جميع أحكام الإعدام، وإطلاق سراح المعتقلين، فضلا عن توفير أجواء مواتية للعملية الديمقراطية، من حرية رأي وتشكيل أحزاب وغيرها.
في المقابل، أهم شرطين لدى القاهرة هما الاعتراف بشرعية السيسي، وطرد قيادات "الإخوان المسلمين"، ولعل هذا ما قد يرفضه أردوغان الذي رفض طلبا إسرائيلياً مماثلاً بخصوص حركة حماس. فهل تظل الأمور كما هي عليه الآن، لاسيما بعد استمرار التوتر في العلاقة، بسبب ما حدث في قمة منظمة التعاون الإسلامي أخيراً. أم أن القاهرة ربما تبدي بعض المرونة على غرار التي قدمتها إسرائيل لأنقرة، أخيراً، مقابل بعض الاشتراطات المنطقية والمعقولة.