مصر والآمال دوماً معقودة عليها..

25 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تعد مصر، منذ بداية القرن الماضي، المؤشر الفعلي لمسار حركة النهوض العربي/ الإسلامي دونما منازع، صعوداً أو هبوطاً، سواء نظرنا إليها واقعاً يتمثل بالمساحة وعدد السكان، أم في موقعها الجغرافي، أم في فكر أعلامها ومثقفيها، أم أردناها تاريخ إنارة وعراقة حضارة، ولا يقلل هذا بالطبع من شأن البلاد العربية والإسلامية الأخرى، ولكنها الحقيقة تسطع عبر الواقع والتاريخ. ولا يسمح المجال، هنا، للتفصيل في ذلك كله، فما يهمنا هو ما يحدث الآن، والإشارة إلى زخم الانطلاقة العظيمة للشباب المصري في ما سمي الربيع العربي بداية العام 2011، على الرغم من أن الشرارة الأولى كانت انطلاقتها من تونس، وهي، لا شك، محفوظة للعامل الفقير محمد البوعزيزي. لكننا لا نستطيع إلا تأكيد دور الشباب المصري المؤثر، وزخم شموليته، إذ سرعان ما تجاوزت ثورته الحدود، منذرة ببدء مرحلة جديدة في المنطقة، ومنبهةً، في الوقت نفسه، كل شعب وبلد للقيام بواجبهما، وهكذا ترسّخ فعل هؤلاء الشباب على مدى ساحة ميدان التحرير في وجدان العرب أجمعين، فهبّ الليبيون والسوريون بعد سنين عجاف، طالت واستطالت أكثر مما يجب، سنين بدأت بهزيمة يونيو/ حزيران عام 1967 وتلتها زيارة أنور السادات إلى "إسرائيل" في فلسطين المحتلة، وليأتي بعدئذ حسني مبارك مبارِكاً للبرجوازية الطفيلية التي تنامت سريعاً، وعرفت، آنذاك، بالقطط السمان، لفسادها الشامل، ولتتوقف حركة التنمية نهائياً، على قلتها طبعاً، وكانت المرحلة هذه قد بدأت مع أنور السادات بشعاراتٍ مراوغةٍ عن الحرية التي كان الشعب المصري، زمن جمال عبد الناصر، قد ضحّى بها لقاء مكاسب معيشية يحتاجها، وأملاً في طموحاتٍ وطنيةٍ وقومية، بدت، آنذاك، ممكنة التحقق! وأخذت مصر في التخلف والفساد أربعة عقود متتالية، تقدّمت خلالها إسرائيل على غير صعيد موسعةً في الهوة ما بينها وبين العرب وحركة تحرّرهم التي كانت مشتعلة، قبل أن يجهز عليها حكم العسكر بسطوة قمعه. ولعلَّ أكثر ما برز ذلك القمع، وإنْ بأشكال متباينة، في سورية والعراق وليبيا واليمن والجزائر والسودان، وكان أخطر ما فعله العسكر ممثلاً بالجيش السوري ومباركاً من بعض الدول العربية أن وجه ضرباتٍ موجعة، إن لم تكن قاتلة، لمنظمة التحرير الفلسطينية، وللحركة الوطنية اللبنانية! وهكذا نرى أنَّ ثورة الشباب المصري المسمّاة الربيع العربي لم تأت من فراغ، بل تكوّنت على مدى طويل، ومن خلال تراكم سياسات خاطئة بلغت حد الجرائم بحق مصر العريقة وبلاد عربية أخرى. 
الآن، ونحن نرى تباشير عودة الشباب المصري إلى الشارع، يمكننا رؤية تأكيد أمرين رئيسين 
في هذه العودة، أولهما أن تلك الثورة التي مضت ست سنوات على مصادرتها، بانقلاب عسكري، قد أتت في مسارها الصحيح، وأنه لا يمكن الوقوف في وجه حركة الحياة أو إعادتها إلى الوراء. وثانيهما: أن القهر الذي رافق اغتصاب تلك الثورة، مهما كانت دواعيه ومبرّراته، لا يمكن له أن يطمس معالم محتوى تلك الثورة الذي يتمثل بذلك الطموح العارم للشعب المصري نحو ديمقراطيةٍ فعليةٍ سعى إليها بدفع تراكم القمع والقهر، وليشاهدها محقّقة في الواقع الحي، ومتوّجة بأول انتخاب فعلي رئاسي في تاريخ مصر الحديث الذي جرى يوم 24 يونيو/ حزيران 2012، وبغض النظر عمّن يمثل ذلك الرئيس المنتخب، ولا حتى عن ممارسة فترة حكمه القصيرة، أغفل مغتصبو السلطة عن عمدٍ فكرة أن الديمقراطية تمتلك آلية سيرها وتناميها، وتصحيح أخطائها في حال وقوعها، وبذلك فقط تمضي وتستمر لتقود البلاد على الطريق الصحيح، ونحو نهضةٍ سياسيةٍ تفسح في المجال لإبداعٍ مجتمعيٍ يمتد ليشمل عالم الاقتصاد والإنسان في نواحي أنشطته كافة، وإذا كانت المرحلة الديمقراطية الأولى قد جاءت بعد تتالي حكم عسكري، تناسل بعضه من بعض، ودام ستة عقود متتالية، سادها قمع رهيب وأمراض سياسية واجتماعية شتى، وقادت البلاد إلى هزائم مخزية، فمن الطبيعي أن تقع أخطاء في تجربة الديمقراطية الأولى، ولكن تجاوز تلك الأخطاء لن يكون في العودة إلى التجربة المرّة لحكم العسكر فهذه (بحسب هيغل)، هي عودة هزلية. وهذا ما حصل فعلاً بمجيء الضابط المغمور عبد الفتاح السيسي.
كان على السيسي الذي أتى بانقلابٍ "تصحيحي" أن يقوم بعمل، إن لم يكن أفضل من سابقه، أن يساويه على الأقل، لكنه جاء بأسوأ مما كان قد فعله الضباط الذين سبقوه! ولعل أقلّ ما يقال عن
وضع مصر خلال السنوات الست الماضية من حكمه إن بؤس الشعب ازداد، وظهر ذلك في الوضع المعاشي، والالتفات إلى مشاريع أبهة لا تدخل في صلب التنمية، يرافقها فساد غير مسبوق، مع تفاقم مظاهر القمع عمّا كان، فقد طاولت الحملات المزعومة بمجابهة الإخوان المسلمين المجتمع بكامله. وفوق ذلك كله، تجاوز السيسي على أرض مصر، فتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية في البحر الأحمر.
وإذا كانت دوافع نزول المتظاهرين المصريين إلى الشارع ثانية قد جاءت بعوامل داخلية محضة، وبمبادرة مباشرة من المقاول والممثل محمد علي، الذي فضح ممارسات النظام بعرضه بعض حالات الفساد وجرائمه، فإن عوامل عربية قد لعبت دوراً تحريضياً، وخصوصا ما أنجزته ثورة السودان المجاور لمصر الذي عانى شعبه ربما أكثر مما يعانيه الشعب المصري، وكذلك ما تنتظره النتائج النهائية لمظاهرات الجزائر التي أنجزت قليلاً مما تطمح إليه حتى الآن، ولم يزل أمامها الكثير، فذلك كله يؤكد أنَّ الربيع العربي حقيقة لا مؤامرات (على أنظمة فاسدة ومهزومة) كما يزعم النظام السوري ومؤيدوه.
لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحصل، لكن المعطيات جميعها تؤكد أن مرحلة السيسي التي اعترضت طريق الديمقراطية آيلة للسقوط، على الرغم من مظاهر القمع والاعتقال التي رافقت تلك المظاهرات المبشّرة بداياتها! والاحتمالات كثيرة، وربما منها انقلاب آخر، فهل تأخذ الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني دورها من جديد، وتعيد زخمها إلى الشارع نحو حكم مدني فعلي، يؤكد أن دماء الشهداء لم تذهب هدراً، ويعيد إلى مصر بهاءها. هذا هو المأمول، فمصر، على الدوام، كانت معقد الثقة والآمال.