مصر و"البالوعات".. مسلسل كوميدي مأساوي

26 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
وقف حماة الوطن، ببذلهم الأنيقة، يتحدثون بصرامة في أجهزة اللاسلكي، بينما يشرفون على مواطن مدني يهبط بملابسه الداخلية إلى بركةٍ من المياه، تكونت داخل نفق لإنقاذ أحد المحتجزين، وهو يحمل بفخر أحدث وسائل الأمان في العالم: إطار سيارة. 
في مكان غير بعيد عن نفق العروبة في القاهرة، موقع المشهد السابق، كان آلاف المصريين يتجمّدون ساعات امتدت حتى منتصف الليل في أماكنهم بعد سلسلة انسدادات طرق تُوجت بانهيار جزء من طريق سريع رئيسي، بينما كان مسافرون يهربون من تحوّل رحلاتهم من جوية إلى بحرية، بعد غرق إحدى صالات المطار.
السادة المسؤولون لم يفتهم إضفاء لمساتهم. محافظ القاهرة صرح، قبل أسبوعين من الواقعة، بأن جميع الاستعدادات كاملة لأمطار الشتاء، وأنه نفذ تجربة عملية لإغراق شارع وتصريف مياهه. "برقبتي يا ريس" هي خصوصيتنا الثقافية وهويتنا الحضارية العريقة. المتحدّث باسم مجلس الوزراء قال إن الإمكانات لا تسمح بانشاء شبكة صرف أمطار بالقاهرة، لأنها ستتكلف بين مائتي مليار وثلاثمائة مليار جنيه، وذلك لأجل أمطار تهطل يوماً أو يومين كل عام، وبالتالي فالأولى توجيه هذا الإنفاق إلى التعليم والصحة.
أما وزير النقل، الفريق كامل الوزير، فقد تألق في تصريحه بأن الطريق الدائري الإقليمي كان مجهزاً ضد السيول، مؤكداً: "ندرس حركة السيول من خمسين سنة، وحجم المياه المتوقعة وعروض الوديان"، لكن ما حدث أن السيول (تلك الغادرة) لم تأتِ من اتجاه الوادي كما خططنا، بل جاءت باتجاه موازٍ للطريق! وللمفارقة، يذكرنا هذا التصريح بخطاب النكسة حيث قال جمال عبد الناصر إن "العدو الذى كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب"، لكنه على الأقل كان يتحدّث عن حرب حقيقية، لا عن مجرد أمطار.
وإذا وضعنا كل الصور الهزلية السابقة في إطار أنها تقريبا تتكرّر كل عام، في التوقيت نفسه، والصياغات نفسها، فإننا أمام مسلسل كوميدي بلا نهاية، لولا أن القتل في هذا المسلسل حقيقي وليس تمثيلا. قُتل في أحداث الأمطار أخيرا، والتي استمرت نحو ساعة ونصف الساعة فقط، 19 مصرياَ في سبع محافظات في الحوادث أو صعقاً أو غرقاً. رأينا مشاهد مأساوية كانتشال جثة طفلة مصعوقة بأسلوب بدائي على خلفية صراخات الأم الملتاعة.
هكذا أفقدت الأمطار السلطة توازنها في تسعين دقيقة. في مواقف مشابهة، كما حدث في 2015 و 2016، التي شهدت عددا أكبر من الضحايا، كان أغلب الغضب الشعبي منصبّاً على صغار المسؤولين، كفساد مقاول أو رئيس حي. أما هذه المرة فكانت قطاعات متزايدة تربط ما حدث بسقف أعلى، سواء باستدعاء التصريحات الرئاسية، "أنا بابني دولة جديدة"، "أيوه بابني قصور وهبني قصور"، أو بتتبع سلسلة المسؤولية بصورة هيكلية.
لماذا لم تتم عمليات الصيانة الكافية للمنظومة القائمة؟ لأنه ببساطة هذا دور المجالس المحلية، والتي لم تشهد أي انتخابات منذ 2008، لأن السلطة تخشى من عدم إمكان السيطرة الكاملة على أكثر من 55 ألف مقعد تمثلها، ولأنها أيضاً لا تريد تطبيق الدستور الذي يمنح هذه المجالس صلاحياتٍ حقيقيةً كما ينص على انتخاب المحافظين بعد مرحلة انتقالية، وهذا ما يرفضه العسكريون عشّاق المركزية.
لماذا لم يتم تخصيص ميزانيات؟ لأن الأولويات الاقتصادية تذهب نحو أمور مختلفة، هي أكبر مسجد وكنيسة وفندق في العاصمة الجديدة، وذلك لغياب الانتخاب النزيه لمجلس النواب، وبالطبع غياب حرية انتخاب الرئيس الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
ما زالت ترجمة الحالة الواسعة من الغضب لفعل سياسي منظم هي الإشكالية الأكبر، خصوصا أن السلطة الحالية طوّرت للغاية من قدراتها الأمنية، وأصبح في إمكانها توجيه ضربات انتقائية بالغة الإيلام لمفاصل الحركات والأحزاب السياسية، لكن تطوّر رؤية قطاعات شعبية ليست قليلة إلى طرح الأسئلة السياسية والاقتصادية السليمة، هو بحد ذاته مؤشّر على ضخامة التغيير الذي حدث، وأن المستقبل ما زال يحمل احتمالاتٍ مفتوحة.