مصر.. هذه الممارسات في دراما رمضان

29 مايو 2019
الصورة
تغيّر الإحساس بشهر رمضان الكريم كثيرا عن ذي قبل. وبمرور السنوات يتم إفراغه من مضمونه، ويتحول كل عام، بشكل متزايد، إلى شهر الطقوس الشكلية، والانشغال بالمسلسلات والدراما، بدلاً من الانشغال بالعبادة والتوبة والكرم والإحسان. ومنذ كنت طفلاً وأنا أستمع لانتقادات الأكبر سناً لما يحدث من تحول شهر رمضان إلى شيء آخر بسبب الدراما التلفزيونية، ولكن جدالاً من نوع مختلف حضر في رمضان الحالي على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وأيضا في الأوساط السياسية والمتابعين للشأن العام. 
تحدثت تقارير وموضوعات صحافية عن سوء مستوى الدراما التلفزيونية في مصر ورداءتها، أو سرقة معظم الموضوعات المطروحة من دراما وأفلام أجنبية ثم تمصيرها، ما يؤثر بشكل كبير على الإبداع وحرفة الكتابة الدرامية والفنية في مصر. وجاءت تقارير صحافية أخرى على "تحكّم سلطوي وأمني" في الموضوعات المطروحة وكتابة السيناريو، تحت شعار حماية القيم، كنوع من الرقابة من المنبع، تشبه كثيرا الرقابة المسبقة التي كانت في العهد الناصري، فهناك أكثر من قصة وسيناريو تم رفْض التعاقد معها من البداية، بالإضافة إلى منع أسماء بعينها من الظهور في الدراما هذا العام، مع رفْض طرح أي موضوعاتٍ جدلية. وقد أثر ذلك بشدة على مستوى جودة القصص والكتابة للأعمال الدرامية، بالإضافة إلى أفكار درامية كثيرة مسروقة تفتقر إلى الخيال والابتكار، إلى جانب النمطية والملل الشديد الذي سيطر على معظم الأعمال المطروحة.
التقرير الأبرز كان عن آثار سيطرة ما يطلق عليها الأجهزة السيادية في مصر على دراما 
رمضان، وعن كيفية التدخل الأمني والمخابراتي في الدراما المصرية هذا العام، هو تقرير BBC عن احتكار جهة واحدة للإنتاج الدرامي، وهي مجموعة إعلام المصريين التي تسيطر على أغلب المنصّات الإعلامية في مصر، وتملك قنواتٍ وشركات إنتاج كثيرة، وهي في نهاية المطاف مملوكة لأجهزة أمنية وجهات سيادية، كما ذكرت عدة تقارير صحافية، وهي تنفيذ للطرح الذي قيل، في أكثر من مناسبة، بأن يكون الإعلام المصري مساندا للإنجازات ومبرزاً لها.
واستكمالا لمسلسل الاحتكار وغياب التنافسية، تم إطلاق تطبيق لعرض تلك المسلسلات الرمضانية بدون إعلانات، وهو تطبيق مملوك أيضاً للأجهزة الأمنية يسمى watch it، وهو ما تلته حرب ضروس على المواقع العربية الشهيرة التي تعرض الأفلام والمسلسلات المقرصنة، فتم حجب تلك المواقع في مصر، وإغلاق بعضها، لمنعها من عرض المسلسلات الرمضانية التي أنتجتها المؤسسة الأمنية والجهات السيادية (كما يطلق عليها). ومن الطبيعي أن تبدأ الجماهير محاولات تخطي الحجب، والبحث عن برامج للتمكين من تنزيل مسلسلات رمضان، الأمر الذي دفع الشركة المحتكرة، التابعة للجهات السيادية، إلى تقديم عرض بأن يكون الاشتراك مجانياً في شهر رمضان. ثم نشر أن الشركة الاحتكارية نفسها، المملوكة للمؤسسة العسكرية أو الجهات السيادية، اتفقت مع وزارة الإعلام على احتكار كل كنوز وتراث ماسبيرو (الإذاعة والتلفزيون) من مسلسلات وأفلام وبرامج قديمة وتسجيلات ومواد نادرة للتلفزيون والإذاعة المصرية منذ عشرات السنين، إذا ليس الأمر فقط حماية الفضيلة كما يزعمون، بل هو في أصله استنزاف اقتصادي واحتكار جديد.
قد تكون القصة بدأت منذ عدة سنوات، عندما كانت هناك تعليقات لعبد الفتاح السيسي يستهجن فيها انتقادات طفيفة لأداء الحكومة وسياساتها، من إعلاميين موالين لها، اعتُبرت وقتها بمثابة نيران صديقة. وكان هناك أيضا تصريح شهير للسيسي وقتها، عندما قال إن جمال عبد الناصر كان محظوظاً بوسائل الإعلام في عصره، عندما كانت تسانده في كل خطواته، إلا أنه أثنى، في تصريح آخر له، في أحد مؤتمرات الشباب، على تدخل الدولة في الأعمال الدرامية، واعتبر ذلك إيجابياً يساعد على نشر القيم الإيجابية. وذلك كله إلى جانب تصريحات رئيس مجلس إدارة الشركة المُحتكرة للإعلام والتابعة للجهات السيادية، في أكثر من مناسبة، بأن ما يحدث ما هو إلا تنفيذ لتوصيات رئيس الجمهورية ومطالباته بدور الإعلام في نشر الإيجابيات ودعم الدولة.
والملاحظ منذ سنوات أن الدراما التلفزيونية في رمضان أصبحت تركّز على صورة الضابط 
الخيّر والطيب، الذي يضحي بحياته من أجل إنقاذ البشرية، والضابط الذي يحارب الفساد، والضابط الذي يعامل الناس بلطف، حتى أشد الإرهابيين خطورة، ضباط يعيشون على أرض مصر كالملائكة، وكأننا في بلد آخر غير الذي نعيش فيه. هناك بالتأكيد نماذج حقيقية لضباط شجعان ومخلصين يضحون بحياتهم من أجل أمن الآخرين، ولكنها نماذج نادرة في واقعنا المعاصر، وفي ظل تلك المنظومة التي تشجع التعذيب من أجل نزع اعترافات مصطنعة، أو المنظومة التي تلفق قضايا سياسية لأبرياء، بحجة حماية الدولة، أو المنظومة التي ترعى الفساد والتزوير، بصفته شرّاً لا بد منه، أو مجرد حدثٍ عارضٍ لا ينخر في مفاصل الدولة.
في زمن عبد الناصر، كانت الإذاعات والصحف موجهة، وكان مصريون قليلون من يستطيعون النفاذ إلى وسائل الإعلام الأجنبية، حتى كانت هزيمة 1967، والتي ظل الإعلام المصري وقتها يحاول التغطية عليها عدة أيام، وترويج أن الجيش المصري هو المنتصر، إلى أن أصبح من المستحيل التغطية على الهزيمة الشاملة، فاضطروا للاعتراف. وفي زمن العولمة والسماوات المفتوحة الراهن، هناك من يحاول تكرار استراتيجية عبد الناصر، ويحاول استخدام وسائله بشكل جديد، اعتقال فوري لكل من ينتقد أو يسخر على الإنترنت، ذباب إلكتروني يهاجم بضراوة من يحاولون قول الحقيقة، احتكار تام لكل المنصّات الإخبارية والإعلامية وشركات الإنتاج الدرامي، فقد تمت هذا العام مثلا زيادة عدد المسلسلات التلفزيونية التي تحاول تزييف الوعي واللاوعي، رسائل سلبية ضد مراكز حقوق الإنسان والنشطاء المعارضين، الحوار مليء برسائل وسط السطور لتشويه ثورة يناير، وتشويه فكرة الصحافة الحرّة، رسائل ضد التدوين والتعبير عن الرأي، رسائل تروّج خرافات نظرية المؤامرة التي نسمعها طوال الوقت في وسائل الإعلام الموالي، رسائل داخل حوار أبطال المسلسلات عن تآمر كل الدول ضد مصر.
تلفت النظر أيضا تعليقات الذباب الإلكتروني على التقارير التي أوردتها قناة BBC، مئات 
وآلاف التعليقات المليئة بالسباب للموقع والقناة وبريطانيا وأوروبا والغرب بشكل عام، تعليقات تدافع عن احتكار المؤسسة العسكرية إنتاج الدراما التلفزيونية، وتهاجم كل من ينتقد ذلك وتنعته بالخيانة، تعليقات مليئة بنظرية المؤامرة التي تروّج أن "BBC" كارهة لمصر، أو تتآمر لإسقاط مصر، هل فعلا كل هؤلاء لجان إلكترونية مدفوعة؟
الوظيفة الرئيسية للنسبة الأكبر من اللجان والذباب الإلكترونيين هي التشويش على أي خبر جاد أو صادق، وممارسة الإرهاب الإلكتروني ضد كل من يقول الحقيقة. ولكن هناك أيضا نسبة لا يستهان بها تتحدث عن قناعة، وتهاجم القناة بضراوة، ظناً منها أن ذلك واجباً وطنياً. هناك نسبة كبيرة من المصريين الذين تشبّعوا بتلك الخرافات التي يروجونها عن الرئيس البطل الذي يحارب الغرب المتآمر. وهناك كتلة أخرى تعلم الحقيقة، ولكنها تتطوع بالنفاق، ونشر خرافات المؤامرة، ظناً أن ذلك هو الحل الأسهل أو الأكثر أماناً، كتلة لا تزال تعيش في الخرافات التي يصدّرها الإعلام الموجه والدراما الموجّهة، يسدون آذانهم طواعيةً، عندما يظهر أحد المنافذ لقول الحقيقة وسط أمواج الأكاذيب. ولذلك المعركة طويلة، وهذا يضيف عبئا جديدا، لو كانت هناك نخبة لا تزال ترغب في الإصلاح والتغيير، فليس فقط الاتحاد أو الجبهة الموحدة المفتاح، بل لا بد من مشروع لإعادة تأهيل ما تم إفساده من نفوس وضمائر وإصلاحه، وما تم تدميره من قيم ثقافية أصيلة، وما تم استبداله من عادات وتقاليد انتهازية خبيثة بعادات وتقاليد أصيلة طيبة، بخلاف تدمير القوانين واللوائح ومنظومة العدالة بشكل عام، والتي ستحتاج عقودا أخرى لإصلاحها لو تغيرت الإدارة والإرادة.
تعليق: